من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ كيف لا نبصر ما في أقرب الأشياء إلينا، وهل يستحق الإكرام من يغفل عن آيات الله في ضميره ووجدانه .. في عواطفه الخيرة .. في إرادته الماضية .. في عقله الوقاد .. في تركيبة عينه وأذنه .. في أعصاب دماغه .. في حلقه وما أطبقت عليه شفتاه من لسانه ذي الوظائف المتعددة، إلى أضراسه وأسنانه، إلى حلقه وبلعومه؟.
دعنا نتفكر قليلا: [إن الإنسان أعجوبة عالم الوجود وما هو في العالم الأكبر موجود في عالم الإنسان الأصغر أيضا، بل في الإنسان عجائب لا توجد في أي مكان من العالم! والعجب أن هذا الإنسان على عظمته وعقله وعلمه وهذا الابتداع والابتكار والصنع العجيب كان أول يومه على صورة نطفة صغرى لا قيمة لها!! لكن ما أن استقرت في الرحم حتى تكاملت بسرعة وتبدلت يوما بعد يوم ولحظة بعد أخرى فإذا هذه النطفة التي لا قيمة لها تغدو إنسانا كاملا سويا! خلية واحدة التي هي أصغر جزء في بدن الإنسان تشكل بناية ضخمة متداخلة عجيبة فهي على حد تعبير بعض العلماء تعادل (مدينة صناعية)] [١].
ولكن أين تلك البصيرة التي تنفذ إلى أعماق وجود الإنسان لعلها تهتدي إلى بعض آيات الله العظيمة .. وتؤمن بالبعث من بعد الموت من خلال الإيمان بقدرة الله وحكمته؟
[٢٢] وبعد ذكر الأرض وآياتها، والإنسان وما فيه من تجليات القدرة، يذكرنا السياق بالسماء وآياتها، وكيف يرزقنا الله منها، فهذا الغيث ألا ترى كيف يتنزل من السماء برزق مبارك، وهذه الأشعة التي تبث إلينا من الشمس والنجوم وما فيها من فوائد عظيمة نعرف بعضها ونجهل الكثير؟ كلها آيات التدبير الدقيق. أفلا نتذكر؟
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ وفي السماء تلك الإمكانات المستقبلية التي يهدينا الرب إليها ففيها من البركات أضعاف ما ننتفع به حاليا كما فيها من النقمات ما ينبغي اتقاؤها بالعمل الصالح، ويبدو أن الآيات التالية تأويل لهذه الكلمة، حيث إن ربنا سبحانه قد وعد- ووعْدُه الصدق- إبراهيم بأن يرزقه ذرية كما أوعد قوم لوط بالعذاب فجاءته الملائكة بها جميعا.
وقال البعض: معنى وَمَا تُوعَدُونَ الجنة جعلها الله في السماء. ولعل هذا صحيح في بعض رياض الجنة أما الجنة جميعا فعرضها كعرض السماوات والله العالم.
وفي الآية تفسير آخر: هو أن الله قد قدَّر عنده في السماء (الجهة الأعلى) كل أرزاق العباد فلماذا الحرص والتكالب؟.
[١] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٧، ص ٩٠.