من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٥ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
الأرض، وعواصف ورعد وبرق .. من أمواج البحر، وشعاع الشمس، ونور القمر، إنها جميعا في وعي المؤمنين تجليات لأسماء الله، ومنافذ إلى غيب قدرته وحكمته .. رحمته وعزته .. جماله وجلاله .. فلا ينظرون إلى شيء إلا من خلال هذه الرؤية، مما يجعله مسبحا بحمد ربه، ناطقا بآياته، داعيا إليه، يبث في روعهم حكمة الحياة، ويعكس جمالها وجلالها، ويهديهم إلى سرها العظيم.
فهم إذا نظروا إلى الأرض وحجم هذه الكرة الوحيدة التي تحتضن الحياة فيما نعرف من الكُرات يتساءلون: ما الذي قدَّر حجمها، وطبيعة حركتها حول نفسها وحول الشمس، والمسافة المحددة التي تفصلها عنها .. حتى لو أنها اقتربت أو ابتعدت تباطأت أو تعجلت لما أمكن نشوء الحياة فيها أبدا؟.
[لقد روعي منتهى الدقة في تنظيم العوامل الطبيعية فلو تضخمت القشرة الخارجية للكرة الأرضية أكثر مما كانت عليه عشر مرات لا نعدم الأوكسجين الذي هو المادة الأصلية للحياة، ولو أن أعماق البحار كانت أكثر عمقا مما هي عليه قليلا أو كثيرا، لانجذب جميع الأوكسجين والكاربون من سطح الأرض ولم يعد أي إمكان لحياة النبات أو الحيوان على سطح الأرض!.
... لو أن هذا الغلاف الذي يحيط بالأرض من الهواء كان رقيقا لخرقته الشهب الثواقب التي تأتي كل يوم بنحو عدة ملايين فتصيب الأرض حيث ما وقعت، إلا أن هذا الغلاف الجوي يمنعها لكثافته فتتلاشى وتحترق عنده فلا تصل إلى الأرض. ولو أن الشهب الثواقب خفت سرعتها لما احترقت عند اصطدامها بالهواء ولوقعت على الأرض ودمرت الكثير. ويقول في مكان آخر أن نسبة الأوكسجين في الهواء هي إحدى وعشرين بالمائة فحسب، فلو كانت هذه النسبة خمسين بالمائة لاحترق به كل ما من شأنه الإشتعال في هذا العالم.. ولو وصلت شظية صغرى من النار إلى شجرة في غابة لاحترقت الغابة جمعاء]! [١].
أليست شاهدة على حكمة المدبر سبحانه؟.
[٢١] وإذا عدت إلى نفسك التي هي خلاصة مباركة لكل ذلك العالم الكبير الواسع، فإنك تجد آفاقا من العلم لا تحد، وشواهد لا تحصى على حسن التدبير لخالقها الرحمن، ولكننا بحاجة إلى بصيرة نافذة لكي لا تحجبنا حاجات الجسم العاجلة المحدودة عن الغور في أعماقها الزاخرة بالمعرفة والحب والأحا سيس الزاكية.
[١] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٧، ص ٨٧، بتصرف.