من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - يوم تأتي السماء بدخان مبين
التجارب المتكررة على مختلف القوانين هذه الحقيقة.
فمن واقع الإنسان اكتشف العلماء دواء لعلاج فيروس الإنفلونزا، واعتقدوا أنهم بواسطته يستطيعون السيطرة عليه سيطرة تامة، ولكنهم وجدوا أن عشرات الألوف من الناس يموتون بسببه بالرغم من تعاطيهم ذلك الدواء، والسبب أن أجسامهم لاتستجيب لمفعوله .. فالدواء إذن ينفع ولكن ليس إلى الأبد إنما في حدود معينة.
ومثل آخر من واقع الطبيعة أن الخبراء بعد التفكير والتجريب والتخطيط أطلقوا (أبولو- ١٣) إلى الفضاء، وبعد أن وصل إلى المكان المعين تعطَّل عن العمل، مما يدل على وجود هامش لا قدرة للإنسان في السيطرة عليه، بل قد يبدأ الهامش من الإنسان نفسه فإذا به يفقد السيطرة على ذاته فضلا عن عمله، فربما يختل توازنه الذهني، وربما يتعطل شيء في جسده.
ومن المعايشات اليومية قد يدفع الإنسان صدقة أو يعمل خيرا في أول يومه، فيعرض له حادث مميت ينجو منه، بينما يموت في يوم آخر بسبب تافه. أليس كذلك؟ إذن فهناك قوة غيبية تدبر شؤوننا، ولا يوجد شيء في الحياة يسمى بالصدفة، إنما هي تدابير إلهية فوق الإرادات والسنن.
رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه السلام عَدَلَ مِنْ عِنْدِ حَائِطٍ مَائِلٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَقِيلَ لَهُ: [يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ تَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ الله؟ فَقَالَ عليه السلام
أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ الله إِلَى قَدَرِ الله] [١].
فقدر الله أنَّ الجدار المائل يسقط، والذي يجلس عنده يتضرر، وقد وهب الله للإنسان العقل الذي يتعرف به إلى هذه الحقيقة، أما قضاؤه فإنه تعالى يبعث في عقل الإنسان كَشَبَهِ الهزة الكهربائية تثيره وتذكره، وابتعاد الإمام عليه السلام عن الجدار كان بقضاء الله عزَّ وجلَّ.
ونقل لي أحد الأشخاص قائلا: كنت واقفا في الشارع أبحث عن سيارة توصلني إلى نقطة معينة في إحدى العواصم، وفي الأثناء توقفت إلى جانبي سيارة أجرة، ولكن السائق رفض جلوسي في المقعد الأمامي إلى جانبه، الأمر الذي منعني عن الركوب في هذه السيارة، فأقلتني سيارة أخرى، وبينما كنا نسير رأينا جمعا من الناس وكأن حادثا ما وقع في الشارع، وحيث نزلت لمعرفة الخبر وجدتها سيارة الأجرة التي رفض صاحبها ركوبي في المقعد الأمامي، وقد تحطمت ومات السائق والراكب الذي كان إلى جانبه .. فالقدر الطبيعي لهذا الشخص أنه يموت، ولكن القضاء يتدخل ليبدل الأمر، وينقذ هذا الإنسان.
[١] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٩٧.