من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - يوم تأتي السماء بدخان مبين
وأمثال هذه القصص والحوادث تتكرر بكثرة في حياتنا اليومية، ونحن نعايشها أو نسمع عنها، ولكننا لا نبصر ولا نعتبر. وفي هذه السورة تركيز على هذا الوعي؛ أن في الكون يدا غيبية جبارة تدبر شؤونه. وذلك لا يعني أنها وحدها تفعل كل شيء مباشرة، وأنه لا نظام في الحياة، كلا .. إنما النظام موجود، ولكن هناك أيضا من يجريه ويهيمن عليه فيجريه أو يعطله متى شاء، وهو الله عز وجل، فإذا بالنار التي تحرق يتعطل قانونها في قصة إبراهيم عليه السلام، وإذا بالعصا تصير حية كأنها جان، وهكذا الكثير من الشواهد الأخرى.
بينات من الآيات
[١] حم بالإضافة إلى كون الكلمات المقطعة رموزا وإشارات تهدينا إلى القرآن ذاته، أو أنها رموز بين الله وأوليائه- وهو أفضل ما قيل فيها-، فإنها تنسجم بتناغمها وأجراسها اللفظية مع طبيعة السورة ذاتها نفسيا وأدبيا.
[٢- ٣] وفي هذه السورة يقسم ربنا بعد تلك الحروف بالقرآن نفسه، الذي يتألف منها ومن أشباهها، للدلالة على مدى عظمته وجلالة قدره وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ هي ليلة القدر في شهر رمضان، التي عدلت بخيرها وبركتها ألفا من الشهور .. وإنما أنزل الله الكتاب لهداية الناس إلى الحق بترغيبهم فيه وتحذيرهم من عواقب الضلال والباطل.
وقد تساءل المفسرون: كيف نزل القرآن في ليلة القدر وقد تنزلت آياته على امتداد ثلاثة وعشرين عاما، وقد بيَّن ربنا حكمة تنجيم القرآن بقوله وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢].
قالوا- حسب النصوص-: إنه أنزل جملة واحدة إلى مقام سام في السماء الرابعة جعله الله مسجدا لملائكته حيث يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا، يسمى بالبيت المعمور، وقد جعل الله الكعبة بإزائه [١].
ومن هنا فللقرآن نزولان: الدفعي والتدريجي على مدى (٢٣) عاماً، والنزول الدفعي كان في ليلة القدر أي في شهر رمضان إلى البيت المعمور وعلى قلب النبي صلى الله عليه واله ولا تنافي بين النزولين، كما لاتنافي بين النزول الدفعي في شهر رمضان وبدء النزول التدريجي في رجب.
ولأن الرسول كان على علم بما في الملأ الأعلى (البيت المعمور) أو أن النزول تم مباشرة،
[١] راجع بحار الأنوار، ج ٩، ص ٢٣٧ وما بعدها.