من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - يوم تأتي السماء بدخان مبين
في سبيل الله ما استطاع دون الخوف من الفقر، ويرجو من الإنفاق زيادة الرزق، ويقدم على الأمور، ولا يخشى العقبات والمشاكل، بل ويرجو من ذلك تسخير الطبيعة في صالحه، ولذلك فهو قليل الفشل، لأن الفشل أكثر ما يأتي من خشيته.
ومن مظاهر الرحمة أن ليلة القدر فرصة للعباد أن يُسهموا في رسم أقدارهم بالدعاء وتجديد العهد مع الله، كم هي فرصة لرسم مصيرهم الأخروي. ثم إن رحمة الله لا تنتهي عند حدِّ معيِّن، إنما تتسع أيضا لحاجات الإنسان المتجددة التي تعكسها دعواته إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الذي يسمع دعاء عباده الْعَلِيمُ بنواياهم، ثم يستجيب لهم أولا يستجيب لحكمة يعلمها.
[٧- ٨] وربُّنا هو ربُّ الكون بأسره، ولكن بعض الناس يشرك به، ويقسم الخليقة على آلهة شتى، وهذه النظرة الضالة للحياة ليس سببها عدم ظهور آيات الربوبية في الكون من حولهم، وإنما لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى المعرفة العميقة واليقين رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بلى؛ إن الموقنين هم الذين ينظرون للحياة نظرة توحيدية خالصة من الشرك، فلا يؤمنون بإله إلا الله عز وجل، إذ هو تعالى الذي يُقدِّر الأشياء كلها وهو المدبر والمهيمن وحده لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فهو المتصرف في مصائر الخلق، وَمَنْ هذه صفته هو الإله، والأولى بالعبادة من كل أحد سواه، ومادام ربنا هو الذي يملك الموت والحياة فلماذا نخشى غيره ونخضع له؟! لماذا نتبع الطاغوت؟! ولماذا نقلد آباءنا؟!.
إنهم ليسوا بآلهة حتى نعبدهم، إنما هم عباد مثلنا خلقهم الله رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ سواء عبده الآباء أم أشركوا به، ونحن يجب أن نتخذ هذه الحقيقة مقياسا لتقييم الأجيال وليس العكس، وذلك لكي لا يؤثر علينا انحراف الآخرين تأثيرا سلبيا.
[٩] والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يضل البشر عن هذه الحقائق، ويشركون بالله؟
والإجابة: لأنهم يظنون أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف، فهي الهدف في اعتقادهم، وهذا يقودهم إلى الشك في المستقبل حيث الدار الآخرة، وَمَنْ فَرَّغ حياته من الآخرة فقد أفقدها هدفها، وجعلها مجرد لعب بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ إن المؤمن لا يتخذ الدنيا دار لعب ولهو، لأنه يعتقد بالمسؤولية والحساب عن كل قول وفعل يصدر منه، بل عن كل حديث له مع نفسه، بينما الذين يشكون في الآخرة يقودهم شكهم إلى النظرة الساذجة والهازلة إلى الحياة الدنيا.
[١٠] والقرآن يحذِّر هؤلاء من العاقبة التي سوف يلاقونها نتيجة هذه النظرة للحياة،