من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين؟!
والقيم الأخلاقية والعقلانية التي أودعها الله في الإنسان لتكون ميزانا.
وإنما الطاغوت يستثير الشهوات والحميات الجاهلية جاعلا من مجتمعه قطيعا من الهمج الرعاع. ولقد كان فرعون- شأن كل الطغاة- يعرف أن منطق العقل والعلم والفطرة يؤيد موسى عليه السلام، ولكنه انحرف عنه إلى إثارة العصبيات، والتلويح بالإرهاب والإغراء، وبالتالي إزاغة الناس من عقولهم الرصينة إلى شهواتهم الخفيفة.
لقد قال فرعون وأجهزة إعلامه: لماذا لا يلبس موسى أسورة من ذهب، ويدعم منطقه بجنود من الملائكة، واليوم تقول أجهزة الفراعنة الجدد: ما قيمة شرذمة من المؤمنين الرساليين، إنهم لا يملكون قوة ولا مالا؟ بلى؛ ولكنهم يدعون إلى الله، والله هو القوي الغني. ولكن من الذي يتبع دعايات الظالمين، ويخضع لإعلامهم!، إنما هم الفاسقون.
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ سلَّموا أنفسهم للباطل ففسقوا عن الحق، لأنهم لم يُربَّوا أنفسهم منذ البدء على التسليم للحق، فكان لا بد أن يُسلِّموا لباطل فرعون.
ويبدو من هذه الآية أن فرعون ليس هو المسؤول الوحيد، إنما الذين اتبعوه كانوا أيضا مسؤولين، وإلا لما قال عنهم ربنا فَأَطَاعُوهُ ولما قال عنهم إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فقد أطاعوا فرعون في باطله، لأنهم كانوا فاسقين في واقعهم، فاستحقوا العذاب باختيارهم السيئ.
[٥٥] لقد أغضبوا الرَّب الرحمن بعنادهم على الجحود، وبلغ بهم فعلهم المشين درجة الأسف فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ إن الله لا يتأسف، ولكن الواقع واقع يبعث على الأسف، والله يفعل ما ينبغي أن يفعله من يأسف، كما أن أولياء الله الذين رضاهم رضى الله وسخطهم سخط الله يأسفون.
[٥٦] فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ سلفا: مثالا يحتذى بهم، ومثلا: عبرة لمن يعتبر.