من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
والطبيعة فرضا، وبحكمته يجعله كتاب هداية وبصيرة، ومصدر توجيه للإنسان إلى الحق وإلى ما فيه صلاحه.
وفيما يلي من الآيات يحدثنا القرآن الحكيم عن تجليات اسمي العزة والحكمة في الكون، وعن الظواهر ذات الدلالة الواضحة على عزة الرب وحكمته، ونحن لا بد أن نفقه تلكم التجليات وهذه الظواهر، لأن فهمنا للخليقة من حولنا لا يكون فهما عميقا إلا إذا كان فهما مترابطا متفاعلا، فلا بد أن نربط- مثلا- بين ارتفاع القمر ونزوله وبين المد والجزر في البحر، كما نربط بين طلوع الشمس وبين التفاعلات الكيماوية التي تحدثها في أوراق الأشجار، فالكائنات حقائق مترابطة يتصل أدنى شيء منها بأقصاها، والكبير والصغير والقريب والبعيد في ذلك سواء، كلهم متفاعلون مع بعضهم يجري ربنا عليهم حكما واحدا ونظاما مطرَّدا، ولا نستطيع أن نفهم القوانين الثابتة التي تجري في الخلق إلا بفهم ذلك التفاعل، فالقانون الذي تتحرك على أساسه أكبر مجرات الفضاء هو نفس القانون الذي تتحرك وفقه الكريات المتناهية في الصغر داخل الذرة المتواضعة، ثم إن كل ذلك التواصل والتفاعل والخضوع للسنن الواحدة يهدينا إلى الحقيقة العظمى ألا وهي التوحيد. إن ربنا العزيز الحكيم هو الخالق لها جميعا، وهو المدبر لها.
ويبدو أن منهج القرآن لإنماء هذا الوعي الشمولي للكائنات الذي يشكل مستوى رفيعا من تكامل عقل الإنسان يتمثل في أن القرآن يذكرنا باسم من أسماء الله الحسنى، ثم يتدرج نازلا من ذلك الاسم إلى مختلف الظواهر التي يتجلى فيها ذلك الاسم الكريم، في عالم الطبيعة (الآفاق) وعالم الإنسان (الأنفس)، في حاضر الإنسان أو ماضيه أو مستقبله، لكي تتماوج بنور الله أشعة فكره صاعدة من بعض ظواهر الخلق إلى أسماء الخالق، ونازلة من أسماء الرب إلى سائر الظواهر، ومن ماضي البشرية إلى حاضرها وإلى مستقبلها، فتتسع آفاق معرفته، وتغور في أعماق الغيب بصائر وعيه، ويسمو في درجات اليقين عقله، وتزكو بنور الإيمان نفسه، ويهديه الله إلى نوره الأبهى، قويا عزيزا كما إن ربه قوي عزيز، ويصبح حكيما خبيرا كما أن ربه حكيم خبير، كل ذلك بمعرفة أسماء الله الحسنى.
وربما تدرَّج المنهج القرآني بصورة عكسية، فيبيِّن ظاهرة في آفاق العالم أو أغوار النفس أو أبعاد التاريخ، ثم يذكر اسما من أسمائه الحسنى. ونهايات الآيات القرآنية مثل
- وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء: ٢٦].
- وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].
- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٧٣].