من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٩ - يسألون أيان يوم الدين؟
الضغوط حتى تهديهم إلى سواء الجحيم فإن الصالحين يعودون إلى نقائهم كلما دنستهم الخطايا، ويتطهرون بالتوبة إلى ربهم الغفور .. وهؤلاء هم أصحاب الجنة.
وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وعند السَّحر يكون العالم المحيط بالإنسان في سبات عميق، حتى الذين أسهرهم المرض أو اللعب أو ما أشبه يخلدون إلى السكون، والإنسان بدوره يعيش السكون في داخله، تتراجع شهواته، وتهدأ أعصابه، وتقل هواجسه ووساوسه، ويعود إلى نفسه، وتكون الفرصة مواتية لمراجعة حساباته ومحاكمة أعماله وأقواله في محكمة عقله، ووجدانه، وهنالك تتجلى له أسماء ربه، ويجد كأن خالقه القاهر فوقه البصير به والأقرب إليه من حبل الوريد يحاسبه: لماذا ابتعدت عني عبدي؟ أوَلَم أكنِ نعْمَ الرب لك، فلماذا كنت بئس العبد؟ هل غيرت معك عادة الإحسان فأشركت بي وخضعت لعبادي من دوني؟
وكم هي رائعة يقظة الضمير بعد السبات، وانتفاضة الإرادة بعد الخوار؟! الله ما أحلى العودة إلى دار الأنس بعد الغربة في نفق العصيان، ما ألذ حكاية الاعتراف بعد الطيش والتمرد!
من هنا كانت نفوس المتقين تتطلع إلى تلك الساعة المتقدة حبا وشوقا وقربا. ألم تسمع رواية الرسول صلى الله عليه واله أنه قال
[الرَّكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا] [١].
أو سمعت الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام يسأل: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجها؟ فقال
[لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِاللهِ فَكَسَاهُمُ اللهُ مِنْ نُورِهِ] [٢].
وكل واحد منا بحاجة إلى الاستغفار لكي لا تتراكم فوق قلبه أدران الخطايا والغفلة فيقسو وينغلق ويصبح غلفا لا يرجى له علاج .. ولكي لا يفاجئه الأجل فتضيع عنه فرصة التوبة إلى الأبد.
ولا بد أن نسعى لفرز العمل الصالح عن السيئات بالاستغفار حتى لا يختلط علينا الحق والباطل، وذلك بأن نحدد بالضبط طبيعة العمل الذي قمنا به، ولا نخضع لتزيين الشيطان أو تسويل النفس الأمارة بالسوء، فنبرر كل ما قمنا به، ونلبسه ثوب الشرعية بتحريف نصوص الدين حسب أهوائنا، فنكون- لا سمح الله- ممن اتخذ إلهه هواه.
إن المؤمن يتَّهم نفسه أبدا، ويستجلي قيم الحق وموازين الشرع حتى يقيس بها أعماله،
[١] وسائل الشيعة: ج ٨ ص ١٥٦.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٨ ص ١٥٧.