من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٨ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
ومن هذا المنطلق يجب أن نستفيد درسا في علاقتنا بالقيادة الرسالية، وهو أن جهلنا بخلفيات قراراتها لا يعني أنها خاطأ، ويجب أن لا يدفعنا ذلك إلى التشكيك فيها، فليس بالضرورة أن يتضح لنا كل شيء، لأن كثيرا من الأمور يكشف عنها المستقبل، ورؤيتها تحتاج إلى بصيرة ثابتة ومعلومات متكاملة، مما لا تتوافر إلا عند القيادة الشرعية الرشيدة.
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ أي في الإيمان، وهل خلق الله الناس إلا ليرحمهم؟ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٩]، ولو أن المؤمنين قاتلوا المشركين يومذاك لقتلوا الكثير ممن دخلوا الدين فيما بعد، ومنعوا عنهم رحمات الله وبركاته، وهكذا ينبغي أن تكون استراتيجية الدولة الإسلامية قائمة على أساس اجتذاب الناس إلى الدين، ولو بتقديم بعض التنازلات التي لا تنتهي إلى سخط الله تعالى، وليس تحطيم الخصم وقهر إرادته، ولو سبب ذلك إثارة البغضاء في أنفسهم مما يشكل حاجزا نفسيا يمنعهم مستقبلا من الدخول في الدين.
بلى، لو امتاز الفريقان لعذَّب الله المشركين والكافرين بسيوف عباده المؤمنين لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.
وفي الروايات المأثورة
[إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِ الوَاحِدِ عَنِ القَرْيَةِ الفَنَاء]
[١]، وعن أبِي الحَسَنِ عليه السلام قَالَ
[إِنَّ لِله عَزَّ وجَلَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مُنَادِياً يُنَادِي مَهْلًا مَهْلًا عِبَادَ اللهِ عَنْ مَعَاصِي الله فَلَوْ لَا بَهَائِمُ رُتَّعٌ وصِبْيَةٌ رُضَّعٌ وشُيُوخٌ رُكَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذَابُ صَبّاً تُرَضُّونَ بِهِ رَضّاً] [٢].
[٢٦] ولكن لماذا ينذر الله الذين كفروا بالعذاب في الآية السابقة؟ هل لأنهم من قريش أم لقيمة مادية أخرى؟ كلا .. إنما للحمية المرتكزة في قلوبهم.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فالحق ظاهر وبيِّن لهم، ويعلمون أنهم على الباطل، ولكن اتباع العزة بالإثم (القيم الجاهلية التي درجوا عليها) لا تدعهم يقبلون الحق، ويسلِّمون لقيادة الرسول، فالقائد في نظرهم يجب أن يكون أكبر القوم سنا، وأكثرهم مالا ونفرا، فكيف يقودهم رجل يتيم لا مال له؟
لهذا فإنهم- وهم يحاربون أتباع الرسالة- لم يكونوا يدافعون عن حق يؤمنون به، وإنما يحمون أنفسهم ويدافعون عن قيمهم الجاهلية، بينما المؤمنون يقاتلون من أجل الله، ويدافعون
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢٤٧.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٢٧٦.