من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٧ - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
[٣٥] إن صلابة الجبهة الداخلية شرط أساس للانتصار، وينعطف السياق نحو المؤمنين فيأمرهم- بعد الطاعة- بمقاومة إغراءات السلام، بعد تراكم الصعوبات، ذلك السلام الذي يعني الاستسلام والصَّغار فَلا تَهِنُوا لا تخشوا الهزيمة، ولا تهابوا العدو وإن كان أكثر منكم عدة وعددا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ فلا تكونوا أول من يدعو إلى الصلح من الفريقين المتحاربين، خشية الموت والهزيمة وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ فما دمتم مؤمنين، فأنتم الأعلون بقيمكم وقدراتكم، لأن الإيمان بصيرة وقوة، بصيرة لما يوفِّره فينا من منهجية عقلية، ورؤية حياتية، وقوة بما يلهمه من عزم في الإرادة، وتلاحم في الصفوف، وَوَلَهٍ في الشهادة، واستقامة وصبر في المكاره.
والسؤال: أي صلح هذا الذي نهى عنه القرآن، بينما يقول ربنا سبحانه وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦١]. فهل هذه ناسخة أم تلك؟.
يبدو أن هذه الآية نهت عن الدعوة إلى الصلح القائم على أساس الوهن، لأنها تستتبع الذل والهزيمة، وهي في النهاية استسلام للعدو .. بينما أمرت الآية الأخرى بقبول الصلح الذي يدعو إليه العدو لوهن أصابه وضعف، وكلا الأمرين يخدمان القيم الرسالية .. ففي الوقت الذي يكون الصلح لمصلحة الإسلام وقوته وغلبته وتأتي الدعوة إليه من العدو لا بد من قبوله، بينما لا ينبغي المبادرة من قبل المسلمين إلى الدعوة إليه انطلاقا من الإحساس بالوهن والضعف. ولذلك جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الأشتر أنه قال
[ولَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا] [١].
وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ قالوا: معناه لن يؤدكم من دون أعمالكم، لأن الوتْر بمعنى الإفراد، وإنما سمي الذي قتل منه أحد موتور، لأنه بقي مفردا من دونه. وهكذا ضمن الله حفظ أعمال المؤمنين، كما وعد الكفار بحبط أعمالهم، فكلما بذله المسلمون في طريق تقدم الرسالة يحفظه الله ويجعله مفيدا.
ينبغي إذن ألا نستعجل النتائج، وأن نصبر في المواجهة، حتى يأتي النصر. ولنعلم أن النصر آت، وكل آت قريب، وقد لا نراه نحن وإنما يقطف ثماره أبناؤنا. وزينب بنت علي عليهما السلام ضربت أروع الأمثلة في التحلي بهذه البصيرة، فلقد كانت تتذكر حين شدة البلاء، وتراكم المصائب والآلام، هذه حقيقة أن الله لا يضيع جهود المجاهدين. فلقد ألقت نظرة على مصارع إخوتها وأبنائها وأصحاب الرسالة، وقالت مخاطبة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام ابن أخيها
[مَالِي أَرَاكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ يَابَقِيَّةَ جَدِّي وَأَبِي وَإِخْوَتِي، .... فَوَ اللهَ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهَ صلى الله عليه واله إِلَى جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمِّكَ، وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ [مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ] لَاتَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ
[١] نهج البلاغة: كتاب ٥٣.