من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٥ - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
هكذا أرسى القرآن قواعد الانضباط- التي نحتاجها في السلم وبصورة أكبر في الحرب- واتباع القيادة الشرعية، ثم أمر المسلمين بالاستقامة وعدم الوهن بطلب السلام الذليل ما دمنا الأعلى والأقوى وإن الله مع المؤمنين ولا يضيع أجر العاملين.
وفي الختام: رَغَّبَ السياق المؤمنين عن الدنيا التي هي عبث ولهو إلا إذا طلب الإنسان بها الآخرة، فصارت ذات هدف سام، ووعد المؤمنين المتقين بأنه يؤتيهم أجرهم ولا يسألهم أموالهم. فلو سألها كلها بإصرار أخرج ما يخفوه من البخل ألا ترى كيف أن البعض يبخل عن الإنفاق ببعض أمواله في سبيل الله، بينما الإنفاق هو ذخيرة لنفسه. فإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه، لأن الله هو الغني وهم الفقراء.
وأنذر ربنا المسلمين بأن توليهم عن واجبات الرسالة- وفي طليعتها القتال والإنفاق- يفقدهم صلاحية حمل الرسالة، فيستبدل الله بهم غيرهم فلا يكونوا أمثالهم.
بينات من الآيات
[٣٢] ليس من السهل التسليم لقيادة الحق للأسباب التالية
أولًا: لأن القائد بشر كسائر الناس يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولا يني الشيطان يوسوس للإنسان، كيف تطيع بشرا مثلك؟ ومن الذي فضَّله عليك؟ وكانت هذه أخطر العقبات التي منعت الناس من اتباع الرسل بادئ ذي بدء.
ثانياً: لأن كثيرا من قرارات القيادة تمس الحياة اليومية، وقد لا تكون مفهومة عند الفرد كما قد تخالف مصالحه العاجلة أو آراءه أو أهواءه .. مما يستدعي المزيد من العزم حتى يتغلَّب الفرد على الحالة النفسية التي تمنعه من تنفيذ القرار.
ثالثاً: لأن صاحب الولاية الإلهية يسوق الناس نحو الكمال أبدا، مما يجعل قراره صعبا مستصعبا .. لا يحتمله إلا كل مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان .. لأن قراره نابع من الوحي والقيم الحق التي أنزل بها، ومنها التطلع نحو الكمال.
من هنا فإن طاعة الرسول تأتي في مقدمة فرائض الرسالة، كما أن مخالفته تُعَدُّ ارتدادا عن الدين وكفرا وسببا لإبطال الأعمال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ويبدو من قوله سبحانه وَشَاقُّوا الرَّسُولَ وقوله سبحانه مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى أن هذا الفريق هم من المنافقين