من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٩ - وما أنا بظلام للعبيد
الأرض، بل لابد من عناية إلهية في الأمر. فلو كانت الأرض التي يهطل عليها الماء غير صالحة، أو كانت صالحة ولكن أهلها مشغولون عن زراعتها، فهل كان ذلك يحولها إلى جنات وزروع؟ كلا .. فهي محتاجة إلى إنبات الله عزَّ وجلَّ لها برحمته، ليجد العباد رزقهم فيها، ولتكون صالحة للسكن فيعمروها.
رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً إنك ترى الأرض هامدة لا حراك فيها وقد هجرها الناس، فإذا بها بعد نزول الماء تحكي الحياة في كل جوانبها، وبكل أشكالها، فبعد أن يؤِّمن الناس رزقهم ينشطون لبناء مدينتهم وتوفير سائر مظاهر الحضارة فيها.
ولعل هذا شاهد على أن الزراعة أصل كل حضارة، وهذه إحدى النظريات الحضارية حيث قالوا: إنها ناشئة من تراكم المحصولات الزراعية التي تتراكم الثروة بعد بيعها وتبدأ بها دورة الحضارة .. ولا ريب أن حضارات عديدة في التاريخ نشأت بهذه الطريقة.
أترى أن الذي أحيى البلاد بعد موتها يعجز عن إحيائنا بعد الموت؟!
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ وفي الروايات إشارات إلى إن الإنسان يتلاشى في التراب، ويبقى منه مقدار ذرة واحدة (خلية) حية تتعلق بها الروح في عالم البرزخ، فإذا أراد الله بعثه أمطر السماء أربعين صباحا، وجعل الأرض كرحم الأم، فتنمو فيه تلك الذرة، ولكن بصورة سريعة، فإذا بالأرض تنشق عن بشر سوي. وليس من عجب أن يحدث ذلك، فهذا هو الإنسان يبدأ حياته من نطفة صغيرة جدا تنطلق من صلب الأب إلى رحم الأم، وهكذا تبدأ حياة كل شيء على وجه الأرض. فلتنظر إلى كل حبة تحسبها ميتة، ولكن حين تدفنها في التراب تنشق عن زرع أو شجرة عظيمة. وإلى هذا التشابه تشير الآية الكريمة وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً [نوح ١٧:]، ونحن مع ذلك نؤمن بقدرة الله على الخلق والبعث بعد الموت بطرق لا تحصى عددا.
وفي الخبر قال الصادق عليه السلام
[إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْعَثَ الخَلْقَ أَمْطَرَ السَّمَاءَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَاجْتَمَعَتِ الأَوْصَالُ وَنَبَتَتِ اللُّحُومُ] [١].
وقال عليه السلام لما سُئِلَ عَنِ المَيِّتِ يَبْلَى جَسَدُهُ
[نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ لَحْمٌ ولَا عَظْمٌ إِلَّا طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تُبْلَى تَبْقَى فِي القَبْرِ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى يُخْلَقَ مِنْهَا كَمَا خُلِقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ] [٢].
[١٢- ١٤] إن الآيات التي مضت كلها علاج لاستبعاد فكرة البعث من قبل الكفار،
[١] بحار الأنوار: ج ٧ ص ٣٣.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ١٩١.