من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - وما أنا بظلام للعبيد
عَزَّ وَجَلَّ عَالَماً غَيْرَ هَذَا العَالَمِ وَجَدَّدَ خلق
[عَالَماً]
مِنْ غَيْرِ فُحُولَةٍ وَلَا إِنَاثٍ يَعْبُدُونَهُ وَيُوَحِّدُونَهُ وَخَلَقَ لَهُمْ أَرْضاً غَيْرَ هَذِهِ الأَرْضِ تَحْمِلُهُمْ وَسَمَاءً غَيْرَ هَذِهِ السَّمَاءِ تُظِلُّهُمْ لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا العَالَمَ الوَاحِدَ وَتَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ بَشَراً غَيْرَكُمْ، بَلَى وَاللهَ لَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَلْفَ أَلْفِ عَالَمٍ وَأَلْفَ أَلْفِ آدَمٍ أَنْتَ فِي آخِرِ تِلْكَ العَوَالِمِ وَأُولَئِكَ الآدَمِيِّينَ] [١].
إن هذه الحقائق لا تخفى على عقل الإنسان، ولكن الجهل البشري وضلال الأفكار وهوى النفس كل ذلك يحجبه عنها، فإذا به يشك في قدرة الله على الخلق ثانية بعد الموت.
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي إن الأمر ملتبس عليهم فهم في حيرة وريبة، وسبب ذلك هو جهلهم بكيفية حدوث البعث، بَيدَ أن ذلك لا يعني استحالته، أترى لو كان يقال لشخص قبل ألف عام عن حديد يطير في الهواء (نعني بذلك الطائرات والصواريخ) هل كان يصدق؟ طبعا لا، ولكن لو قيل له تفصيل ذلك لعله كان يذعن أليس كذلك؟ وهذه من طبيعة الإنسان أنه ينكر الأشياء التي يقصر عن الاحاطة بتفصيلاتها. أما العقل المحض والبعيد عن المؤثرات، فهو لا ينكر الأشياء لمجرد انتفاء إحاطته بالتفاصيل، بل ينكرها ما دامت لا تصدق لانتفاء الأدلة عليها. والحال إن الأدلة قائمة على الرجوع للحساب.
[١٦] ومن ذلك ترى الكفار مرتكزين في أوحال الشك والريب من هذا الحق، فهم بين التصديق والتكذيب تتردد نفوسهم في الوسواس المنبعث من طبيعة البشر، كما من وساوس الشيطان الذي يسعى لإضلاله.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فلم نتركه سدى، لأنه مسؤول ومحاسب في الدنيا والآخرة، بل بقي تحت الرقابة الإلهية التي لا تقتصر على ظاهره من الكلام والفعل، وإنما تنفذ إلى أخفى وأبعد شيء عنده وهو حديثه مع نفسه.
وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فخطرات القلب وهواجس النفس وأفكارها كلها مسجلة عند الله عزَّ وجلَّ، فربما قام يوما للصلاة فتردَّد، هل يؤدِّيها الآن أم بعد قليل فهذا مسجل لك أو عليك، يسجله الله الذي هو أقرب للإنسان حتى من نفسه.
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وهي الأوداج التي تربط الرأس بالجسد. إن الإنسان قد يندفع إلى تصرف أو فكرة ما بعوامل لا يدركها، وقد يقوم بشيء ثم ينساه، ولكنه تعالى يحفظ كل صغيرة وكبيرة وكل ظاهر وباطن فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه: ٥٢]، والمتقون يعون هذه الحقيقة بعمق
[إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٣٧٤.