من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٠ - الإطار العام حجب الغفلة عن المسؤولية والجزاء
ومثل ذلك الغيث الذي ينبت به الله جنات من الأشجار ومروج حب من حب الحصيد، أرأيت النخل باسقات لها طلع نضيد؟ إن كل ذلك أنشأه الله ليكون رزقاً للعباد.
وبكلمة صادعة يفجِّر السياق ينبوع المعرفة في القلوب الصافية ويقول: وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج .. إنها تحرق حجب التعجب والاستبعاد، أرأيت النواة كيف تختزل حياة شجرة باسقة حتى إذا أنزل الله عليها الماء وأمدها بوسائل النمو أصبحت شجرة باسقة، كيف لا يمكن أن يفعل مثل ذلك بالإنسان بعد موته؟ (الآيات: ١١- ٨).
ثم يصبُّ حمم الغضب على الكاذبين لكي يزيل عامل اللامبالاة عند الكفار بالبعث، الذي قادهم إلى التعجب، ويذكِّرهم بمصير قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كيف نزل بهم وعيد الله حين كذبوا الرسل؟
ويستشهد بالخلق أول مرة، الذي يهدينا متانة نظمه وتنوعه إلى إقتدار خالقه وأنه كان عليه يسيراً، أفلا يدل على أنه قادر على الخلق الجديد؟ (الآيات: ١٥- ١٢).
وفي آيات متواصلات يزرع القرآن خشية الرب في نفس الإنسان، لكي يتحسس بمسؤوليته تجاه ما يتحدث به، فيذكره بأنه خلقه ويعلم حتى ما توسوس به نفسه، (بالرغم من ادعاءاته الكاذبة) لأنه أقرب إليه مما به حياته ظاهراً وهو حبل الوريد (الآية: ١٦).
فحين يتلقى المتلقيان- ولعلهما الملكان أو المتحدثان أنىّ كانا- ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وهوإلى كل ذلك لا يملك دفاعاً عن نفسه حين تهجم عليه سكرة الموت بالحق فلا يدفعه بالرغم من أنه كان يحاول أبداً الحيد عنها (الآيات: ١٩- ١٧).
أما حين ينفخ في الصور فهو يوم الجزاء الذي وعد الله، يومئذ يؤتى بكل نفس يسوقها السائق ويرافقه الشاهد ..- هذا ما كان يتعجب منه ظاهراً، وإنما كان غافلًا عنه- بينما اليوم يراه ماثلًا أمام عينيه (فبصره حديد) (الآيات: ٢٢- ٢٠).
أما قرينه (وهو الملك حسب بعض المفسرين) فيقول هذا كتابه لدي عتيد، قد حفظته منذ أيام حياته الأولى. هنالك يأمرهما الله بإلقائه في جهنم مع كل كفار عنيد، مناع للخير معتد مريب. وهكذا تحمَّل جزاء ريبه النابع من تهربه عن المسؤولية، وجَعْلِه مع الله إلهاً آخر (الآيات: ٢٦- ٢٣).
أما قرينه- وهو هنا الشيطان الذي أغواه- فإنه يتبرأ منه ويقول: ربنا ليس أنا الذي جعلته يطغى- محاولة منه للهروب من مسؤولية إغوائه- إلا أن الرب يأمر بإلقائه أيضاً في