من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٣ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
[٢٩] هكذا ابتلى الله عباده حتى ظهروا على حقيقتهم وأخرج الله ما ستروه من أمراض أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ إن هذا الظن هو الذي غرَّهم بربِّهم وجعلهم يزعمون قدرتهم على الاختباء وراء مظهر النفاق إلى الأبد، ولكن الله أخرج ما ستروه من أحقاد وحسد وبغضاء. قالوا الأضغان: ما يضمر من المكروه.
[٣٠] وكما الله قادر على أن يظهر حقيقتهم بامتحانهم في القتال، فهو قادر على أن يعِّرف رسوله واقعهم بطرق أخرى كأن يجعل على سيماهم وملامحهم علامات النفاق وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وفعلا هناك على مظهر كل واحد منهم علامات النفاق، ولكن لا تظهر إلا لأهل الخبرة والمؤمنين المتوسمين الذين ينظرون بنور الله. فمثلا: باستطاعتك أن تعرف المنافق بالنظر إلى قسمات وجهه، حينما ينادي المنادي بالصلاة أو بالزكاة أو بالجهاد أو بطاعة ولي الأمر، فإن قسماته تنكمش كالشن البالي، بينما تنبسط قسمات وجه المؤمنين كما البدر.
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ بلى، في تضاعيف الكلام تظهر حقيقة المتحدثين، أوليس المرء مخبوءا تحت لسانه حتى إن التحليل الحديث لعلم النفس يستفيد من أغلاط المتحدث لمعرفة خلفياته النفسية، وحتى أعظم رجال السياسة وأشدهم مكرا لا يمكنه أن يخفي مواقفه الحقيقية عند الحديث عن شيء، لأن الكلمة التي يتلفَّظ بها إذا كانت صادقة تخرج بعفوية ويسر، بينما إذا كانت كاذبة لا تخرج إلا بصعوبة وبتكلف. ومن هنا يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وصَفَحَاتِ وَجْهِهِ] [١].
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ كما يعلم أقوالكم، يعلمها بنياتها وخلفياتها.
[٣١] وهذه سنة الله في خلقه أن يختبرهم اختبارا لا لكي يفضح المنافقين فقط، بل لتتجلى أيضا حقيقة المجاهدين والصابرين لأنفسهم وللناس فيتخذوا قدوة ونبراسا.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بأنواع البلاء ومنها القتال حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ الذين لا يدعون جهدا لديهم إلا بذلوه في سبيل الله وَالصَّابِرِينَ ولعلهم أعظم درجة من المجاهدين وأشد تعرضا للبلاء وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ تلك التي يحاول البشر أن يسترها بأي داع من الدواعي فمن الناس من يخشى أن يظهر خبره خشية الفضيحة، ومنهم من يخشى ذلك خوف الرياء والسمعة، ولكن الله يبلوها بحكمته عبر أنواع البلاء، ومن أبرزها القتال.
[١] نهج البلاغة: الحكمة: ٢٦.