من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤١ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [١].
[٢٥] ولأن هذه الفئة تركت أمراضها القلبية تتراكم، فقضت على بقايا نور الإيمان في أنفسهم، كانت عاقبة أمرهم الردة عن القيادة الشرعية، ونم ثَمَّ عن الدين.
وكثير أولئك الذين ارتدوا عن الدِّين بسبب بعض هذه الأمراض، ونحن نشير إلى بعضهم لنعتبر بهم. فأوَّلهم قابيل الذي طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، وكان مرضه الحسد إذ تقبل قربان أخيه ولم يتقبل منه، وكذلك كان مرض عابد بني إسرائيل المعروف ب) بلعم باعورا) الذي بلغ درجة عالية من الإيمان والتقوى حتى استحق أن يُعطى الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجيب الله له، ولكنه حين اختار الله موسى عليه السلام مالَ إلى فرعون وارتضى لنفسه أن يكون بمثابة الكلب، كما قال تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٥- ١٧٦].
أما الزبير بن العوام الذي كان له تاريخ نضالي حافل، وملاحم بطولية رائعة، ولقد كان يكشف الكرب بسيفه عن وجه رسول الله صلى الله عليه واله، إنه الآخر لم يستقم، إذ أسرته الدنيا بمناصبها الحقيرة وزينتها الفانية .. فدفعه حب الرئاسة إلى محاربة إمام عصره أمير المؤمنين علي عليه السلام.
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وتراجعوا عن العهود والمواثيق التي ألزموا أنفسهم بها تجاه الرسول ألا يخونوه، وألا يخذلوه عند لقاء العدو.
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى وعلموا أن الرسول على حق، ولكنهم جبنوا عن مواجهة الأعداء، وبحثوا عن السلطة والثروة.
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ رغبهم في ذلك عندما زين لهم الدنيا وغرهم بما فيها من فتنة ظاهرة، وكلمة سول من السؤل أي الحاجة، وكأن الشيطان جعلهم حريصين على هذه الحاجة، وأثار فيهم الرغبة فيها.
وَأَمْلَى لَهُمْ قالوا: الكلمة من الأمل بمعنى منّاهم بطول الأمل، فأنساهم الحساب.
[٢٦] لقد رغبوا في البقاء لينعموا بالرئاسة، كما أنَّهم انضموا إلى ركب الرسالة من أجلها. لقد كانت حساباتهم تدعوهم إلى مواكبة هذا التيار الاجتماعي الصاعد ليرثوا مغانمه، فما دام
[١] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٢٠٣.