من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٨ - فأصلحوا بين أخويكم
وسورة المائدة التي تبني كيان الحضارة الإسلامية نراها تحدثنا في فاتحتها عن حرمة الاعتداء على أموال اليتامى الذين هم أضعف الحلقات الاجتماعية، وهنا أيضا تعالج الآيات أعقد حالات الخلاف وهي حالة الاقتتال أولا ثم تتدرج في الحديث عن سائر الحالات الأقل تعقيدا. لماذا كل ذلك؟
يبدو أن وراء كل ذلك حكمتين
الأولى: لبيان الغاية التي سوف تنتهي إليها تسلسل الحالات، لكي لا يستهان بمبدئها فالخلافات الجزئية التي نستخف عادة بها والشائعات التي نبثها هنا وهناك فيما بيننا بلا وازع قد تنمو حتى تصبح صراعا دمويا بين طائفتين من البشر. فلكي نرى الحقائق لا بد أن نضرب لها مثلا واضحا ثم نقيس عليه سائر الأمثلة.
الثانية: أن عظمة الشريعة تتمثل في معالجة الحالات الشاذة البالغة حدها في التعقيد، أما الأوضاع العادية فإن التعامل معها سهل ميسور.
فمعالجة حالة الطلاق أو الخيانة الزوجية (الزنا) هي المقياس لقدرة الشريعة على وضع نظام صائب لشؤون الأسرة، كما أن الحفاظ على أموال اليتيم دليل على مدى صلاحية النظام الاقتصادي في المحافظة على حقوق الناس.
كذلك معالجة مشكلة الحرب الأهلية تشهد على مدى صلاحية النظام الاجتماعي في مواجهة التحديات.
من هنا بدأ السياق بهذه المعالجة وقال وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا المسؤولية الأولى إذن هي وقف الاقتتال وإقامة السلام بأية وسيلة ممكنة، وهي مسؤولية الجماهير، لأنهم القوة الباقية بين الطائفتين. أما لو كلَّفنا طائفة ثالثة فقد تدخل طرفا في الاقتتال وقد لا تكون أقوى من إحداهما. والملاحظ
أولًا: أن التعبير جاء بصيغة التثنية ثم الجمع ثم التثنية، ذلك أن سبب الاقتتال يكون عادة الاختلاف بين فريقين لكل منهما خصائصه وميزاته، والصلح يكون بين قيادتي الفريقين، بينما ذات الاقتتال يكون بين أتباعهما، فقد يكون المقاتلون ضحية مؤامرة قيادتهم، وزجهم في معركة لا مصلحة لهم فيها، بينما القيادة عند الفريقين مسؤولة عن الحرب كما هي مطالبة بالصلح.
ثانياً: القرآن لم يحدثنا عن قوانين الصلح أو عن الصلح الذي يقوم على العدالة، لأن