من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٨ - إن تنصروا الله ينصركم
وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ الرسول الذي أكمل الله به رسالاته، فلم يفسدوا قلوبهم بالعصبية والحقد والعداء للرسول والتكبر عليه. وتشير الآية إلى ضرورة الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه واله بصورة كاملة، فمن يزعم بأنه نبي العرب دون غيرهم، أو أنه قائد بشري لا يتميَّز بالعصمة الإلهية، أو أنه قد ينطق عن الهوى، أو يهجر حسب الظروف، أو ما أشبه، فإنه لم يؤمن حقا بمحمد صلى الله عليه واله، وقد قال الله سبحانه وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]، وقال وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤- ٤٦].
الإيمان بمحمد صلى الله عليه واله دليل لصدق الإيمان بالله، فمن استكبر عن هذا الإيمان فإنه قد كفر بالحق وهو أساس كل إيمان وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فلأنه حق من الله لا بد من التسليم له، لا على أسس باطلة، فلأن محمدا صلى الله عليه واله خليفة الله في الأرض لا بد من طاعته والتسليم له، لا لأنه قائد عربي أو سيد قرشي أو عظيم من بني هاشم.
ومن آمن بالرسول انطلاقا من هذه القيمة- قيمة الحق- آمن كذلك بخلفائه الأئمة الأبرار، لأنهم الامتداد الصادق له، ومن آمن بالأئمة على هذا الأساس فإنه يؤمن بالفقهاء الصالحين، الذين هم ورثة الأنبياء وحجج الله بالنيابة .. وهكذا لا يجد المؤمن بالحق حرجا في نفسه من طاعة أولي الأمر الشرعيين ومن التسليم لكل ما هو حق، لأن مقياسه في كل ذلك سواء.
أما من آمن بالرسول بحوافز مادية فإنه ينفصل عن خط الرسول، ويمضي أنَّى اتجهت حوافزه، فإذا وجد قائدا عربيا مخالفا للرسول أو سيدا قرشيا عاصيا لله أو عظيما هاشميا فاسقا فإنه لا يجد حرجا في اتباعه، بينما الله يأمره بالكفر بالطاغوت والثورة عليه.
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ يبدو أن هذا جزاء إيمانهم. أتدري لماذا؟ لأن الهدف الأسمى من تشريع الأحكام ابتلاء الإنسان في مدى طاعته للحق وتسليمه لمن أرسل به، فإذا أطاع الإنسان ربه، وسلَّم للقيادة الشرعية، فقد ابتلي بأصعب الأمور، ذلك لأن الطاعة في المسائل السياسية والاجتماعية، وحيث تعصف رياح الفتن، وتغتلم العصبيات، ويعلو غبار الشبهات. إن هذه الطاعة هي صعب مستصعب لا يحتمله إلا من امتحن الله قلبه للإيمان.
وإن كثيرا من الناس ممن سكن شيطان الكبر والعصبية في قلوبهم يفضِّلون أداء أحمز الأعمال الصالحة على لحظة واحدة من التسليم للقيادة الشرعية فيما يخالف أهواءهم أو يعارض آراءهم. من هنا يكفر الله سيئات من أطاع الله ورسوله وأولي الأمر الشرعيين تسليما لله ورضى بما فرضه عليه.