من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٢ - فاصبر كما صبر أولو العزم
حينما استمعوا إلى القرآن عادوا دون أن يقوموا بمهمتهم، لكي ينذروا قومهم.
[٣٠] وفيما يلي من الآيات نص الإنذار الذي حمله الجن إلى قومهم قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى قالوا: إن الرسالة الحقيقية من بعد رسالة إبراهيم عليه السلام كانت رسالة الله إلى عبده وكليمه موسى عليه السلام، وأما الإنجيل فقد كان تكميلا للتوراة، كما قال الله عن لسان عيسى عليه السلام وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]، واستمرت رسالة موسى إلى أن بعث الله نبينا الأكرم صلى الله عليه واله، وخلال هذه الفترة- بين الرسالتين- بعث الله أنبياء ولكن ضمن رسالة موسى عليه السلام.
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إن وحدة القيم والمبادئ والتعاليم والمناهج والشرائع في الرسالات الربانية شاهد صدق على أنها من عند الله الواحد، ولولا ذلك كيف تتناغم هذه المنظومة المتكاملة من المعارف والأنظمة عبر العصور المختلفة والبلاد المتفاوتة والرجال المتباعدين عن بعضهم في أكثر الأبعاد المادية؟
وهكذا اهتدى الجن إلى صدق الرسول من خلال النظر العميق في رسالته وأنها تنسجم مع جوهر رسالات الله السابقة، فهي صادقة كما أن ما سبقتها كانت صادقة.
ويا ليت شعري كيف كان يكفر بالقرآن من آمن حقا بالتوراة، والقرآن هو الصيغة الأكمل للتوراة؟!.
يَهْدِي إِلَى الْحَقِ والحق هو ذلك النور الذي يسطع على كل قلب سليم، وكل عقل متحرر، وكل فطرة نقية، وحين يذكرِّ القرآن به لا يجد الإنسان مبررا للكفر به، إذ يتوافق الكتاب مع حقائق العقل.
وهكذا استدل الجن على صدق الرسالة بمحتواها الحق، فعرفوا الرسول برسالته فصدقوا به.
وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ليس في الكتاب آية إلا وتهدينا إلى ما يحكم به العقل، إلا أن العقل لا يقدر على معرفة الشرائع الواضحة لتحقيق الحق، فمثلا عبادة الله والتحرر من الطاغوت والعدالة والتقدم والتعاون والسلام تلك هي الحقائق التي يذكر بها الشرع، ويشهد بها العقل، ولكن كيف نحققها؟ إن الإجابة عن ذلك نجدها في الرسالة التي تهدينا إلى السبل الواضحة والقويمة لبلوغ الأهداف السامية، تلك التي نسميها بالشريعة والأحكام.
[٣١] وما لبث المنذرون من الجن أن تحمَّلوا مسؤولية الدعوة بإصدار الأمر بطاعة