من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً لا بد أن يهتم الإنسان- أي إنسان- بوالديه أنَّى كانا اهتماما يبلغ درجة الإحسان، وهي فوق أداء حقوقهم القانونية.
ويختلف الأمر بالإحسان عن الأمر بالطاعة اختلافا كبيرا، ذلك أن الإحسان ينبعث من اليد العليا، بدافع الإحساس بالاستقلال والقدرة، وصاحبه يقدِّر متى وكيف وبأي قدر يمارسه، بينما الطاعة حالة التسليم والخضوع وفقدان الاستقلال وحسب الأمر الموجه إليه دون أن يكون لصاحبه الحق في تقدير أي أمر منه.
ولم يأمر الإسلام بطاعة الوالدين بل بالإحسان إليهما، لأن الطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر، ولا يستطيع الوالدان أن يحرما حلالا أو يحللا حراما، بل أمر بالإحسان إليهما، وقد يتجلى الإحسان في قبول أمرهما في ما لا يخالف الشرع والعقل، ويكون فيه فائدة عائدة إليهما.
والدليل الذي يبينِّه السياق للوصية بالإحسان إلى الوالدين يعم المؤمنين والكافرين، البرين والفاجرين، حيث يعزو السياق ذلك إلى الجهود الكبيرة التي بذلاها في سبيل تنشئة الولد.
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً فمنذ الساعات الأولى من الحمل يمتص الجنين طاقات الأم مما يعرضها للإرهاق والأخطار، وكلما تقدم بها الحمل زادت الصعوبات الجسدية، كما تزيد عندها المخاوف والهموم.
وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وقد تكون الولادة عسرة مما تجعل الأم تقول: يا ليتني مت قبل هذا اليوم وكنت نسيا منسيا. ثم إن ذلك لا يتم عبر فترة بسيطة، بل يمتد أشهرا عديدة، مما يجعل دين الأم عظيما في ذمة الولد وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فخلال تسعمئة يوم تقريبا تنشغل الأم بوليدها. أفلا ينبغي للولد بعد أن يشتد عوده وتخور طاقات أمه أن يحسن إليها؟
بلى، وهذا من ديدن الرجل الصالح الذي قد تستمر رعاية الوالدين إليه حتى يبلغ أشده، بل ويبلغ أربعين سنة وتكتمل رجولته.
حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَ ومتى يبلغ الإنسان أشده، هل عندما يصل إلى سن البلوغ الشرعي الذي هو عند الفتى كمال سن الخمسة عشر أو الاحتلام، وعند الفتاة كمال التاسعة من عمرها، أم عندما تبلغ سن الرشد الذي قيل أنه بلوغ الثامنة عشر؟
قال البعض:" إن الإنسان لا يبلغ أشده إلا عند سن الأربعين، بيد أن الأقرب إلى ظاهر