من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ بلى؛ قد تكون هناك أسباب طبيعية ظاهرية للحياة والموت، ولكن الواقع الذي يغيب عن أذهاننا أنهما والبعث بيد الله، وهذه الحقائق الثلاث (الحياة والموت والبعث) تثبت بعضها بعضا. ولو أن الكافرين تفكروا في وجودهم وحياتهم لاهتدوا الى أن الله هوالذي أوجدهم وأنه الذي يميتهم وأنهم يبعثون، وليس كما زعموا وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
[٤٤] إن مشكلة الإنسان العميقة التي تجعله يكفر بالبعث أو يشك في الآخرة، هي شكه في قدرة الله، بسبب نظرته المحدودة الى الحياة، فإذا به يستبعد كما في هذه السورة أن يرجع الإنسان سويا بعد تحوله الى تراب أو رميم من العظام لذلك يؤكد الله يسر الأمر عليه فيقول يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ كما تشقق عن الفطر والنبات، ولكن العملية تتم في فترة زمنية وجيزة جدا، فإذا بالناس جميعا وقوف ينظرون، وهذه من أصعب الساعات على البشر، قال الامام علي بن الحسين عليهما السلام
[أَشَدُّ سَاعَاتِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، السَّاعَةُ الَّتِي يُعَايِنُ فِيهَا مَلَكَ المَوْتِ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا مِنْ قَبْرِهِ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ..] [١].
وقال أمير المؤمنين الإمام علي
[لَاتَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ أَحَدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا وَمَلَكَانِ آخِذَانِ بِضَبْعِهِ [٢] يَقُولَانِ: أَجِبْ رَبَّ العِزَّةِ] [٣].
[٤٥] ويختم الله السورة بالتأكيد للنبي- ولكل داعية الى الحق- بأنه ليس مسؤولا عن الناس وليس عليه أن يجبر الناس على قبول الحق، وإنما مسؤوليته تتلخص في تبليغ رسالته اليهم، أما الحساب الفصل فهو عند الله، الذي هو أحرص على رسالته، وأعلم بمواقف الناس تجاهها.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ وما هي قيمة الإيمان الذي لا يأتي عن قناعة راسخة بضرورته؟ إنه لا ينفع صاحبه، ولا يخدم الرسالة، وفي هذه الآية بيان لجانب من الحرية في دين الله.
[١] بحار الأنوار: ج ٧٩ ص ١٧٣.
[٢] قال الفيروزآبادي: الضبع: العضد كلها أو وسطها بلحمها، أو الإبط أو مابين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧ ص ١٠٦.