من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
مفاتح حيوية ونافعة جداً لو تدبرَّنا فيها، لأن الرب يذكرنا بظاهرة ثم يربط بينها وبين اسم من أسمائه الحسنى، فإذا وعيناه حق الوعي عرفنا تجلياته في سائر الظواهر أيضا.
وحيث ذكر السياق في الآية الثانية أن هذا الكتاب منزل من الله، والله هو العزيز الحكيم بيَّن في الآية الثالثة بعض تجليات العزة والحكمة، فقال
[٣] مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى لقد خلقها على عظمتها الهائلة فهو إذا قوي عزيز، ولأن بناءها كان قائما على أساس الحق فهو إذا حكيم.
ونستوحي من هذه الآية أن حكمة الله اقتضت محدودية الخليقة، فلكل شيء فيها أجل معدود، وحد محدود، وهكذا يكون الزمان جزءاً من حقيقة الخليقة، وربما انفتحت أمامنا آفاق واسعة لو تدبرنا أكثر فأكثر في حرف الباء الذي يستخدم للاستعانة، وتساءلنا: لماذا ذكره السياق فيما يتصل بالأجل كما ذكره عند الحديث عن الحق.
فهل يمكن أن نستنتج أن الحق والأجل هما ركيزتا الخلق، على أن يكون الحق هو المعبرِّ عن النظام الحق الذي يُسَيِّر الخليقة، والأجل هو الجانب المادي للخليقة (والزمن جزء من وجود الإنسان)، ثم هل نستطيع أن نقول أن الحق تجل لاسم الحكمة، والأجل لاسم العزة؟.
أنَّى كان فإن الله يشير في مواقع عديدة من القرآن إلى مثل ذلك، فيقول- مثلًا- في سورة الأعراف [آية: ٥٤] إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، ويقول في سورة فصلت [آية: ٩- ١٠] قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.
ولا بد أن نعيش هذه الحقيقة فيما يتصل بموقفنا من الوقت الذي هو جزء من حقيقتنا، وأن وعي الزمن ركيزة أساسية في حكمة البشر، وسلامة عقله، وتنامي حضارته.
لا بد أن نعرف أننا- نحن البشر- كسائر الأشياء الأخرى، يحدونا الليل والنهار، ويتعقبنا الموت، وإذا ينبغي علينا أن نخاف ونخشى، ليس لأن حياتنا الدنيا ستنتهي ويقفل الموت أبوابها، بل لأن النهاية ستلقي بنا وإلى الأبد في واحدة من اثنتين إما روضات النعيم وإما حفر الجحيم.
ولأهمية العلم بهذه الحقيقة كان الإمام علي عليه السلام يذكر بها أبناءه وأنصاره في مواعظه