من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين؟!
المادي، وكيف أن موسى عليه السلام مستضعف، وأنه لا يفصح قولا، ولا يملك شرفا.
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ مستضعف، وراعي غنم لا ذكر له. وهذه عادة الطغاة أن يستصغروا الرسل والدعاة إلى الله. فلقد سمعنا قصة إبراهيم عليه السلام وقومه لما جعل الأصنام جذاذا حين قالوا تصغيرا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦].
[٥٣] ثم أخذ يقيس موسى عليه السلام بما يملكه من ثروة أو سلطة، وهكذا يقيس الجاهليون الناس بالغنى والقوة، لا بالصلاح والخير فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ الأسورة جمع السوار أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ وإذا لم يكن ذا مال، فلتأت معه الملائكة متقارنين يعاضد بعضهم بعضا، كالجنود المجندة التي يملكها هو. وجاء حديث شريف عن أمير المؤمنين عليه السلام
[ولَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عليهما السلام ومَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عليه السلام عَلَى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وبِأَيْدِيهِمَا العِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ ودَوَامَ عِزِّهِ. فَقَالَ: [أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ العِزِّ وبَقَاءَ المُلْكِ وهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الفَقْرِ والذُّلِّ فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وجَمْعِهِ واحْتِقَاراً لِلصُّوفِ ولُبْسِهِ.
ولَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ ومَعَادِنَ العِقْيَانِ ومَغَارِسَ الجِنَانِ وأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ ووُحُوشَ الأَرَضِينَ لَفَعَلَ، ولَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ البَلَاءُ وبَطَلَ الجَزَاءُ واضْمَحَلَّتِ الأَنْبَاءُ، ولَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ المُبْتَلَيْنَ ولَا اسْتَحَقَّ المُؤْمِنُونَ ثَوَابَ المُحْسِنِينَ، ولَا لَزِمَتِ الأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا ولَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ القُلُوبَ والعُيُونَ غِنًى وخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الأَبْصَارَ والأَسْمَاعَ أَذًى.
ولَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَاتُرَامُ وعِزَّةٍ لَاتُضَامُ ومُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ وأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ، ولَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً والحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً. ولَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ والتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ والخُشُوعُ لِوَجْهِهِ والِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ والِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ وكُلَّمَا كَانَتِ البَلْوَى والِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ المَثُوبَةُ والجَزَاءُ أَجْزَلَ] [١].
[٥٤] فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ لقد جرَّد فرعون قومه من ثقل العقل والإيمان،
[١] نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.