من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٥ - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين؟!
يَنكُثُونَ ويتبيَّن لنا من هذه الآيات أن العذاب نوعان
- عذاب الإنذار.
- عذاب الانتقام.
فمن رأى النوع الأول من العذاب فلا يفوت الفرصة على نفسه، لأنه إذا جاءه العذاب الآخر فلا مردَّ له من الله. وإننا نجد فرعون وملأه قد تعهدوا بالهداية، إذ قالوا إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ، ولكنهم أخلفوا بعد أن كشف الله عنهم العذاب.
[٥١] وخشي فرعون من انتشار الدعوة بين قومه فاستدرك الأمر بإثارة الشهوات في أنفسهم وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ كيف نادى كل أهل مصر الذين كانوا قومه؟ هل جمع الملأ منهم فنادى فيهم؟ أم أنه بث الشائعات عبر أجهزة إعلامه، ووسائل دعايته، كالسحرة والكهنة ومن أشبه؟ لعل هذا أقرب إلى معنى النداء في قومه، حيث يظهر أنه أبلغ كل قومه بكلامه هذا قَالَ يَا قَوْمِ فأثار فيهم النخوة والعصبية حيث ناداهم بأنهم قومه أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهكذا احتج عليهم بأنه مَلِكَهُم الشرعي فلا بد من طاعته. أوليس يملك القوة والمنعة؟ ثم احتج عليهم بأنه يملك ناصية القدرة الاقتصادية أيضا، قائلا وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي فهو المنظم للريَّ الذي بأمره تجري الأنهار المتفرعة من النيل، التي قيل بأنها كانت تبلغ (٣٦٠) كم، وكانت تروي منها زراعتهم.
وقد قالوا: إن الحضارة النهرية تدعو إلى النظم والاستقرار أكثر من غيرها، لأن حياة أهلها قائمة على حسن توزيع المياه. ولعل السياق يشير إلى ذلك حيث لمح فرعون بأن الرسالة تهدد النظام الذي يهيئ توزيع المياه، ولذلك قال المفسرون إن معنى مِنْ تَحْتِي هو بأمري وسلطتي، وهو تعبير بالغ الروعة.
ولا ريب أن الإصلاح في المجتمعات المستقرة كذلك المجتمع أشد صعوبة أَفَلا تُبْصِرُونَ لماذا لم يقل: [أفلا تعقلون]، أو [تتفكرون]؟ لأنه يدعوهم إلى رؤية الظاهر، أما إذا دعاهم للتفكير فسوف يكتشفون بأنه ليس سوى بشر عادي مثلهم، وإنما سيطر عليهم بجهلهم. ولو عقلوا لعرفوا أن ملك مصر لله ثم لمن عمرها، وأن فرعون يستحق منهم أشد العذاب على استغلالهم ماليا، والتسلط عليهم سياسيا، بلا تخويل منهم، ولا تفويض من عند الله، فكيف يطالبهم بأجر، ويمن عليهم، لأنه طغى عليهم، وانتهب ثرواتهم؟!
[٥٢] ثم استهزأ برسول الله إليهم، وأخذ يقيِّم حقائق رسالات رب العالمين بالمعيار