من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٥ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
انقلاب حقيقي لنفس الإنسان.
وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ تدل كلمة وَلَمَّا على أن من أسلم يرجى له الإيمان، ولعلها تشير أيضا إلى التأخير، مثل ثم في الإيجاب، مما يوحي بأن المسافة بين الإسلام والإيمان ليست بسيطة، وأن على الإنسان المسلم أن يقطع هذه المسافة بجهده المتواصل. فإذا كان الإسلام بمثابة القبول في معهد علمي راق، فإن الإيمان هو التخرج فيه بنجاح. جاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله
[الإِيمَانُ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَمَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ]
[١]. وفي حديث آخر مروي عن الإمام الصادق عليه السلام
[الإِيمَانَ يُشَارِكُ الإِسْلَامَ والإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الإِيمَانَ] [٢].
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وكيف يُنقِصُ الله الغفور الرحيم شيئا من أعمال عباده التي تحصن بالطاعة لله وللرسول؟ ونستلهم من هذه الآية أن مقياس الإيمان الحق هو الطاعة، ذلك أن الطاعة امتحان صعب، إنها خروج عن زنزانة الذات إلى رحاب الحق، وتجاوز لحواجز المادة، وانطلاق في ميادين الخيرات.
[١٥] وجاءت الآيات التالية تبيِّن شروط الإيمان أوَلَيس الإيمان هو القوة التنفيذية لكل تعاليم الوحي، وهو روح المجتمع الدافعة من دونها تصبح أنظمتها حروفا بلا معاني؟!.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا متى يرتاب المؤمن؟ عندما يكلَّف بمهمة صعبة توسوس له نفسه في صدق إيمانه، أما من مَحضَ الإيمان فإنه كالذهب الخالص كلما تعرض لنيران الصعاب ازداد جلاء ونورا.
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إن الجهاد بذل ما يسعه من الجهد في سبيل الله، ولا يكون ذلك إلا عندما يخلص القلب من شوائب الكفر والشرك والنفاق.
أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ إنها حقيقة الإيمان التي تتجلى في الطاعة والجهاد ومن دون الوصول إلى هذه الحقيقة لا يمكن تصديق إيمان الفرد، أما إسلامه فهو صادق بمجرد قبوله دين الإسلام والتزامه به.
[١٦] والذي يكابر ويدعي أنه مؤمن برغم كل ذلك فإنه قد سفه نفسه، كيف يزعم بأنه يعلِّم الله دينه أوَلَيس الله محيطا علما بكل شيء؟.
[١] بحار الأنوار: ج ١٠ ص ٣٦٦.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٢٥.