من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - ثم جعلناك على شريعة من الأمر
أن اجتراحهم للسيئات هو الذي جعلهم يظنون هذا الظن السيئ، ذلك لأن الشيطان يزين للإنسان عمله.
أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ كلا فحياة المؤمن زاخرة بالاطمئنان، والفلاح، والأمل، بينما يجعل الله صدر الكافر حرجا ضيقا، ويمنع عنه الالتذاذ الكافي بنعيم الدنيا، ويجعله يأكل كما تأكل الأنعام، ويجعله عرضة للعذاب.
أما بعد الموت فإن الملائكة يستقبلون المؤمنين بالترحاب، بينما يغلظون على المجرمين، ثم يتميزَّون إلى الأبد عن بعضهم، فهؤلاء في الجنة منعمون، وأولئك في العذاب الأليم.
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وعند هذه الآية تتلاشى الأماني التي يعيشها بعض المسلمين، ويبرِّرون بها اجتراحهم للسيئات، فبعض يقول: سيغفر لنا، وبعض يزعم أنه يتوب قبيل وفاته، وبعض يتشبَّث ببعض الطقوس ويزعم أنها تغنيه عن الالتزام بالواجبات. كلا .. إن ربنا عدل لا يجور، ولا يمكن أن يتساوى عنده المحسن والمسيء.
[٢٢] حين نتفكر في خلق الله في السماء التي تظلنا، وفي الأرض التي تقلنا، وفي الظواهر الطبيعية، وفي الدورات النباتية، وفي التفاعلات الحياتية، وفي كل شيء، فإن حقيقة واحدة تتجلى بوضوح وهي: أن كل شيء حق، ويدبِّر بحق. أرأيت الذي يزرع الشعير هل يحصد حنطة. كلا .. ولماذا لا نتمنى للخامل أن يحصل على علم وافر، وثروة طائلة؟ وكيف لا يحلم أحد أن تلد البقرة حصانا، أو أن يطير الفيل في الجو كالغراب؟
لماذا العلم يتوغَّل في عمق الأشياء لمعرفة الأسباب والنتائج، أو خصائص المعادن والنبات، أوَلَيس لأن كل شيء خلق بحق، ويجري ضمن سنة عادلة؟!
فكيف نتمنى إذا أن نجترح السيئات ويكدح ذلك المؤمن في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد، ثم نجني نحن وهو ثمرات متشابهة. هل رأيت مثالا واحدا في عالم الخليقة حتى تقيس نفسك به مثلا؟
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ ويتجلَّى هذا الحق في حياة الإنسان من خلال سنة الجزاء وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بلى، قد يتأخر الجزاء أو تخفى علاقته بالعمل، قد يشرب المرء ماء ملوثا ثم يصاب بمرض خطير بعد مدة، ولا يصدِّق أن شربه ذلك الماء كان سبب إصابته بالمرض. قد يعيش مجتمع التخلف ولا يعترف أن خموله، وتمزقه، وجهله سبب ويلاته، ولكن سنة الجزاء جارية، علمنا بها أم لا، وصدقنا بها أم لا.