من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٧ - ثم جعلناك على شريعة من الأمر
[٢٠] هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ واضحة تهدي القلوب والعقول، وطريقة للرؤية الصائبة، ومنهج للتفكير السليم وَهُدًى فالقرآن لا يكتفي ببيان البصائر، بل يقربنا حتى نلامسها، ونتفاعل معها، ونشهدها عن كثب، وهذا هو الهدى.
والهدى يكون بدليل، كمن يهتدي بالنجوم في ظلمات البر والبحر، وبصائر الوحي تهدي من ضلال الجهل والحيرة.
وإنما مَثَلُ المهتدي إلى الحق المنتفع ببصائر القرآن مَثَلُ مَنْ يستفيد من عينه، بينما مَثَلُ الضال مَثَلُ الذي يمشي مكباً على وجهه فلا يجد الطريق. فالمهتدي يستفيد من عقله.
والله يهدي عباده إلى سبل السلام بهداية العقل والوحي، ومن وسائل الهداية أنه ذكَّر الناس بمصير الغابرين، ليعلموا- يتبصروا- أن أسباب هلاكهم قد يقتضي هلاك من يعمل بمثل ما عملوا. وما دمنا وإياهم نعيش في أرض واحدة، وتحكمنا السنن ذاتها (والأنظمة الإلهية) فلابد أن نخشى مصيرهم.
إن القرآن بصائر وللاهتداء بها ينبغي للمؤمن أن يتدارسها حتى يكون على بصيرة، فإذا مرَّت به وساوس الشيطان تذكر واستعان بالله تعالى واستفاد من بصائر الوحي حتى يميِّز بين وساوس الشيطان وثقافات البشر، وبين حقائق الإيمان وبصائر الوحي، فإذا به مبصر يشاهد الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطلًا فيجتنبه.
وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إذ أنقذهم من الغواية والاختلاف، وهداهم إلى شريعته الواضحة السمحاء. أما الذين لا يوقنون، ومن ثَمَّ لا ينفذون أوامره في الأوقات الحرجة، وبالذات عند اختلافهم، فإن القرآن لا يغني عنهم شيئا فلا ينتفعون بهديه ولا يرتفع الخلاف، ولعل الآية هذه تشير إلى ما تدل عليه الآية الكريمة فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥].
[٢١] لأن الدنيا دار ابتلاء فهي دار غرور يخيَّل للإنسان أن المجرم والمحسن فيها سواء، وما هي إلا فتنة قصيرة الأمد، وبعده يتميَّز المحسن بالثواب، والمجرم بعقاب شديد.
ويوغل البعض في التمني والغرور حين يزعم أن الآخرة- كما لبعض الحالات في الدنيا- يتساوى بها المحسن والمسيء، وهكذا تسول له نفسه الاسترسال في السيئات دون رادع كلا، إن ذلك حكم جائر بعيد عن سنن الله في الخليقة.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ والاجتراح: الاكتساب، ونستوحي من الآية