من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٥ - ثم جعلناك على شريعة من الأمر
أَذَاعُوا بِهِ [النساء: ٨٣]. فقد أعطى الله بني إسرائيل بصيرة الأمر وبيِّناته (أي تفصيلاته) فعرفهم كيف يصرفون حياتهم، وكيف يتعاملون مع غيرهم، وكيف يرتبون اجتماعهم.
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وقد اختلف الناس بعد بعثة الأنبياء عليهم السلام بسبب البغي، ومحاولة جماعة التسلط على الآخرين واستلاب حقوقهم الاقتصادية والسياسية. فلذلك اختلفوا عمداً وعن سابق إصرار، وبعد وضوح الحقيقة لهم. قال الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩].
وقد اختلفوا ولم يكن اختلافهم لنقص في رسالتهم أو شحة طعامهم، إنما كان ببغيهم بالرغم من وجود العلم الذي كان جديرا بفض خلافاتهم لو تجنبوا البغي، ولقد كان العلم عند وصي موسى يوشع بن نون عليه السلام، وكان الناس يعلمون ذلك، إلا أنَّ حب الرئاسة وهوى السلطة أدّى دورا خبيثا في إزالة الحق عن مرساه، والولاية عن مستقرها، فاختلفوا أشد اختلاف.
ويضرب القرآن صفحا عن ذكر ويلات الاختلاف، من حروب داخلية تؤدي إلى زعزعة أساس المدنية، وغلبة الأعداء الخارجيين.
ولا ريب أن العلم هنا هو علم الدين الذي يقضي على الاختلاف بين أصحاب الرسالة، ولا يعني أي معلومات كانت، لأن سلاطين الجور يحاولون أبدا الاستغناء عن علماء الدين بمن يُسمَّى عالما من أصحابهم، ويغرونهم ليصنعوا لهم فلسفة ومذهبا.
والاختلاف بعد الانبياء يتمثل في تحدِّي الرسالة أو الرسول وعدم التسليم لهما. وهكذا يتَّبع الذين في قلوبهم زيغ ما تشابه من الكتاب دون محكماته، وإنما يفعلون ذلك ابتغاء الفتنة والتمرد على الرسالة والرسول. قال الله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران: ٧].
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إن الله سيقضي بينهم بالحق، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تعجل عليهم، واطمئن إلى أن الحق باق برغم التشويش عليه.
[١٨] ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ الشريعة: الطريقة الواضحة، فقد جعل