من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٦ - يسألون أيان يوم الدين؟
هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ من هذا الجواب نعرف طبيعة سؤالهم، وأنه كان مليئا بالسخرية والأفكار.
[١٥] في جانب آخر من الصورة نجد المتقين الذين حفظوا أنفسهم من أسباب الاحتراق بالنار، نجدهم في جنات وعيون إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ لكل جنة نعيمها، ولكل عين شراب معلوم، وهم يسيحون فيها يتلذذون بما تشتهيه أنفسهم.
[١٦] آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ كما أخذوا في الدنيا بتعاليم ربهم مسلِّمين لها يأخذون اليوم ثوابه العظيم.
وقالوا: الأخذ هنا بمعنى التملك، كأن نقول: فلان أخذ البلاد، فالجنة ليست بحكم المؤقت بل ملكهم الدائم.
وقالوا: صيغة الكلمة (آخذين) تدل على استمرار أخذهم به، لأن نعم الجنة لا يمكن أخذها مرة واحدة لأنها لا نهاية لها.
وقالوا: الأخذ يكون برضا وقبول، فهم راضون بنعيم الجنة أي رضى.
والكلمة كما يبدو تحتمل كل هذه المعاني وأكثر. هذا الأخذ كان في مقابل عطائهم، إنهم في الدنيا قبل الآخرة كانوا محسنين إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ فإحسانهم على أنفسهم بالطاعات، وعلى الناس بالإنفاق والصدقات، كان ثمن أخذهم ثواب الله العظيم.
[١٧] سعي المتقين في النهار يهدف الإحسان، أما إذا آووا إلى مساكنهم اتخذوها محرابا للعبادة وفرصة للتهجد، فتراهم صافين أقدامهم يجأرون إلى ربهم، تكاد أرواحهم الطاهرة تفارق أبدانهم شوقا إلى الله وفرقا من عذابه.
إن معرفتهم بربهم وتطلعهم إلى القربى منه لا تدع أجسادهم تستريح إلى الفراش، وهل يستريح من يطلب أمرا عظيما. وإن خشيتهم من غضب ربهم وشديد عذابه تقض مضاجعهم فتتجافى جنوبهم عنها. أرأيت الذي حكم عليه بالإعدام غدا كيف ينام ليلته؟
كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ قالوا: الهجع النوم ليلا، ولعل الكلمة توحي بثلاثة ظلال حسب ما جاء في اللغة من مفرداتها
الأول: عدم السكون التام في النوم، وبسبب تعلق قلوب المتقين بالآخرة لا تسكن تماما في الليل بل تسكن جوارحهم دون جوانحهم، ومنه التهجاع النومة الخفيفة.