من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٨
وإن اللام الذي جيء بها في سياق بيان الهدف من الخلق لِيَعْبُدُونِ ليس بمعنى: أن الله سبحانه سعى نحو هذه الغاية بهذه الوسيلة- وهو الغني بذاته- وإنما بمعنى: أنه قدر وقضى ليكون ذلك وسيلتنا إليه، وطريق سعينا ابتغاء مرضاته، ومدارج كمالنا في وجودنا، كما أن الطهارة غاية الوضوء، وذكر الله هدف الصلاة، والتقوى نتيجة الصيام، فإن العبادة غاية الخلق ومحتوى ما أمر الإسلام به من واجبات.
ولعله لذلك أكد ربنا على أنه غني بذاته عن خلقه، وعن أي فعل يمارسونه فقال سبحانه مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ فلا يتصور أي فائدة تصل إلى الله- سبحانه- من خلال خلقه.
ويبدو أن الفارق بين الرزق والإطعام هو أن الرزق يستمر، بينما قد يكون الطعام مرة واحدة، وقد لوحظ في كل منهما معنى الاستفادة والمنفعة، وكأن المرزوق يعتمد في بقائه على الرزق أو الطعام الذي هو مفردة من مفردات الرزق.
[٥٨] وكيف يحتاج إلى الرزق من يعتمد عليه الخلائق جميعا في حياتهم، فلولا دوام فضله، وتواتر نعمه، وتواصل رزقه لم يبق شيء مخلوق.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ والرزاق لا يكون مرزوقا ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فلا ضعف فيه حتى يحتاج إلى الطعام، ولا نقص حتى يحتاج إلى إتمام، وقوته ليست عرضية بل هو متين شديد، فهو سبحانه لا يغلب ولا تلحقه مشقة في أفعاله أو رهق.
وربما تدل الآية على أن رزق الله- سبحانه- يتوالى على عباده بعبادتهم، وكذلك قال ربنا سبحانه على لسان نبيه الكريم نوح عليه السلام فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح: ١٠- ١٢].
[٥٩] ولتبقى مصائر الغابرين عبرة للأجيال، ولا بد أن نعرف أنها خاضعة لسنة إلهية لا تتبدل ولا تتغير، فلقد أهلك الظالمين لظلمهم، وسوف يهلك من سار على دربهم عاجلا أو آجلا فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ وما لهم يستعجلون الله ورسوله في عذاب يصيبهم، تقدم أو تأخر وهل يستعجل أحد هلاكه؟!
قالوا: الذنوب: الفرس ذو الذنب الطويل، وسمي به الدلو الكبير الذي يربط في نهايته الحبل لتسهيل عملية التفريغ، ويبدو أن العرب كانوا يتعاونون في نزح مثل هذا الدلو على أن