من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين؟!
الثانية: أنهم قالوا: ادع لنا ربك، ولم يقولوا: ربنا.
الثالثة: أنهم حين العذاب بالآيات لم يهتدوا. ولكنهم قالوا: إننا لمهتدون إن كشف عنا ربك العذاب، فهم لن يهتدوا إلا بعد أن يكشف الله عنهم العذاب.
وتساءل المفسرون: كيف سمَّوا موسى ساحرا ثم سألوه أن يدعو ربه بالنجاة؟.
والجواب
أولًا: يكشف القرآن الحكيم دائما تناقضات الكفار، وكيف أنهم ضلوا فلا يهتدون سبيلا، وبالذات فيما يرتبط بظاهرة النبوة، فقال ربنا سبحانه بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ [الأنبياء: ٥]. وقال سبحانه انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٨].
وقوم فرعون بدورهم ضلوا في أمر موسى عليه السلام، فمن جهة قالوا، يا ساحر، ومن جهة أخرى اعترفوا بأن قدرته ليست منه، ولا من بعض ما يعرفه من الحيل، بل من الله، فسألوه أن يدعو ربه.
ثانياً: إن تهمة السِّحر التي كان الكفار يفترونها على الأنبياء كانت أقوى حجة لصدق نبوتهم، إذ إنهم اعترفوا من خلالها بأن الرسُّل يأتون بما هو خارق العادة، ولكنهم كانوا يفسرونها بالسحر .. ونحن نعرف براءة الرسُّل من السحر، إذ لا يفلح الساحر حيث أتى، ونعرف الفرق الذي جهلوه بين السحر والنبوة، فيكون اعتراف الأمم الكافرة دليلا على صدق الرسل- وسحرة فرعون كانوا يُدرِكون الفرق فآمنوا بل والملأ بوصفهم النخبة المثقفة ومطلعة أو مشاركة في التضليل الإعلامي الموجه للأنبياء-، وأن تلك كانت آيات تشابهت عليهم بامتلاك الرسل الخوارق، كما نعرف أن كفر أولئك الجاهلين كان بدافع الكبر وحب الدنيا والهروب من المسؤولية.
ثالثاً: بالرغم من اتهام النبي موسى عليه السلام بالسحر، ونكثهم المكرر لوعدهم إياه بالتصديق، لم يزل هذا النبي العظيم يدعو ربه لأجلهم. وحقا: ما أوسع هذا الصدر، وما أرحم هذا القلب، وما أدوم هذه الاستقامة في طريق الدعوة التي ينبغي أن نجعلها لأنفسنا أسوة ومثلا حسنا.
[٥٠] وبرحمة الله سبحانه الواسعة وعطفه على العباد يرفع عنهم العذاب، مع علمه أنهم لن يهتدوا إذا أبدا، ولكن ليعطيهم الفرصة تلو الفرصة فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ