من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٢ - يسألون أيان يوم الدين؟
وحتى اليوم.
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً إنهم الملائكة الذين يشرفون بأمر الله على تدبير هذه العوامل الحياتية. جاء في الحديث أن ابن الكوَّاء (وكان خارجيا) سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً؟ قال عليه السلام
الرِّيَاحُ
، وعن فَالْحَامِلاتِ وِقْراً فقال عليه السلام
السَّحَابُ،
وعن فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً فقال عليه السلام
السُّفُنُ،
وعن فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً فقال عليه السلام
المَلَائِكَةُ] [١].
[٥] إذا كان معنى القسم في كلامنا- نحن البشر- اتصال موضوعة بأخرى بصورة اعتيادية فإن معناه في كلام الرب اتصالهما بالحق. أرأيت لو قلت: وعمري إنني صادق، ماذا يكون معناه؟ أوَلَيس معناه أنك ربطت صدقك بعمرك، وزعمت أنهما موضوعتان متصلتان حتى لو فقدت إحداهما (صدقك) كانت الثانية (عمرك) مفقودة هي الأخرى؟.
وقد لا تكون الموضوعتان متصلتين ببعضهما في الواقع بل في اعتبارك أو تقديرك فقط.
بينما إذا جاء القسم في كلام ربنا فإن اتصاله بما أقسم له حق وواقع لا ريب فيه، فإذا قرأنا في القرآن الكريم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ١- ٣]. وتلونا بعدها لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]. فإن معنى ذلك أن هناك اتصالا واقعيا بين خلقة الإنسان في أحسن تقويم وبين ما سبق من التين والزيتون (اللذين بهما طعامه)، وطور سينين (الذي يحمي البلاد من الأعاصير والأعداء، ويوفر الكثير من عوامل الحضارة) والبلد الأمين (الذي يزرع السكينة في نفوس الناس) بين كل ذلك وقوام خلق الإنسان.
كذلك في هذا السياق حينما أقسم الله بالرياح التي تذرو، والسحب التي تسقي، والسفن التي تجري، والملائكة الذين يقسمون أمرا، فإن هناك ربطا بينهما وبين الحقيقة التالية
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
أولًا: لأن رب السماء المدبر لهذه القوى العظيمة لا يخلف وعده، وهل يخلف وعده إلا العاجز، وهل لنا أن نتصور شيئا من العجز في مقام ربنا القوي القاهر المقدر الذي حمل الرياح العاصفة هذه المقادير العظيمة من الماء، وساقها من فوقنا إلى حيث شاء من الأرض الميتة فأحياها؟ كلا .. إنه صادق الوعيد، وحق لنا أن نخشاه قبل أن يحل بأرضنا الدمار والبوار.
ثانياً: إن كل تلك القوى المحيطة بنا تؤدي دورها حسب تقدير العزيز العليم، فكيف لا يخضع الإنسان لذلك التقدير؟ كيف ترك يتبع هواه؟ ولماذا جاءته النذر من بين يديه ومن خلفه
[١] بحارالأنوار: ج ٥٦، ص ١٦٥.