من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠١ - يسألون أيان يوم الدين؟
تدبيره: فهذه الدورة الحياتية التي تبدأ بالرياح تذرو البذور وتنشرها لتتلاقح، ثم تحمل السحب الثقيلة بالغيث وتجري في السماء بيسر، بالرغم من الوقر الذي تحمله، ثم يقسمها الله حسب مساحات الأرض بتقدير حكيم تفيض على السهول والروابي والجبال وعلى الأراضي البعيدة كما القريبة.
وعشرات الألوف من السنن والأنظمة تتولى تدبير هذه الدورة النباتية التي ينهض كل عامل فيها بدوره المرسوم، وتتكامل العوامل حتى تبني حياة زاخرة بالخير والبركة.
أوَلَيس في ذلك عبرة تهدينا إلى ما وراءها من تقدير وتدبير، وأن الإنسان الذي تخدمه هذه المنظومة المتكاملة من العوامل لا يمكن أن يخلق عبثا أو يترك سدى. إنه هو الآخر جاء لحكمة بالغة، ويذهب وفق سنة نافذة، وتحكمه سنة الجزاء العادل.
هكذا تتواصل آيات الكتاب المبين ببلاغة معجزة وفي أيمان متلاحقة لتبصرنا بأن الوعيد حق والجزاء واقع لا ريب فيه، وهذه من أبرز غايات القسم في آيات الذكر الذي سوف نجده بتكرار في فواتح السور الآنية، وسوف نذكر- كما ذكرنا مرارا- بغاياته المتنوعة.
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً إنها الرياح التي تنشر الغبار والأوراق والبذور. ما أقدرها من قوة، وما أعظم تدبير من سخَّرها لبث البذور في الفلوات والمفازات المتباعدة ..
تفكر ماذا لو سكنت الريح، ولم تكن هذه العواصف الهوج والأعاصير الرهيبة، كيف كانت تنتشر في الأرض بذور النباتات الطبيعية التي تكمل كل واحدة منها الأخرى، وهي جميعا ضرورة قصوى في دورات الحياة النباتية والحيوانية.
إننا نمر خلال أراضي شاسعة ونجد آثار الحياة في بقعة بقعة وقيعة قيعة، ولا نعرف ما وراءها من أسرار ذرو النباتات وتلاقحها، وما في كل واحدة من دور عظيم في منظومة الحياة المتكاملة، ولو فكرنا وعلمنا لما وسعنا إلا أن نهتف مسبحين: الله أكبر.
فَالْحَامِلاتِ وِقْراً بعدما تستقر البذور في رحم الأرض تجري الرياح إلى مراكز السحب فوق البحار والمحيطات وتحمل كتل الماء الثقيلة بعيدا عن مجال تكونها لتسقي الأرض من أعلى فلا يبقى موقع جافا، ويفيض موقع آخر فيضانا مضرا. من الذي قدَّر أمر هذه السحب ومواقع سقياها. أوليس المدبر الحكيم؟
فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً هذه السحب تجري بيسر، ثم تهطل فتمتلئ الروافد والأنهر، وتجري فوقها السفن بيسر لتصبح أفضل وسيلة لتبادل البضائع بين الأمم منذ أن خلق الله الإنسان