من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٣ - وما أنا بظلام للعبيد
وقال عليه السلام
[مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا ولِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الوَسْوَاسُ الخَنَّاسُ وأُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا المَلَكُ فَيُؤَيِّدُ اللهُ المُؤْمِنَ بِالمَلَكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ] [١].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام
[إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَيَّدَ المُؤْمِنَ بِرُوحٍ مِنْهُ تَحْضُرُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُحْسِنُ فِيهِ ويَتَّقِي وتَغِيبُ عَنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُذْنِبُ فِيهِ ويَعْتَدِي فَهِيَ مَعَهُ تَهْتَزُّ سُرُوراً عِنْدَ إِحْسَانِهِ وتَسِيخُ فِي الثَّرَى عِنْدَ إِسَاءَتِهِ فَتَعَاهَدُوا عِبَادَ اللهِ نِعَمَهُ بِإِصْلَاحِكُمْ أَنْفُسَكُمْ تَزْدَادُوا يَقِيناً وتَرْبَحُوا نَفِيساً ثَمِيناً رَحِمَ اللهُ امْرَأً هَمَّ بِخَيْرٍ فَعَمِلَهُ أَوْ هَمَّ بِشَرٍّ فَارْتَدَعَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ نَحْنُ نُؤَيِّدُ الرُّوحَ بِالطَّاعَةِ لِله والعَمَلِ لَهُ] [٢].
[١٨] والإنسان يبقى يتأرجح بين الاستجابة لنداء الحق (الفطرة والعقل والوحي وإمام الحق)، وبين الانصراف عن كل ذلك إلى نداء الباطل (النفس الأمارة والشيطان، وإمام الضلال)، وهو في ذلك غير محاسب على أفكاره، ولكنه إذا حسم الصراع بين هذه القوى، والتردد في نفسه بالإرادة سجَّل عليه موقفه.
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ خيرا كان أو شرا إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يكتب كل ما يصدر منه، ويضمُّه إلى كتابه الذي يتقرر مصيره على ضوء ما فيه، فإما تغلب الحسنات السيئات فيتسلمَّه بيمينه وتسوقه ملائكة الرحمة في زمرة المتقين إلى الجنة، وربما أخذ إلى النار قليلا ليطهر، وإما تغلب الأخرى فيأخذه بشماله، وتسوقه ملائكة العذاب إلى جهنم ليلبث فيها أحقابا أو يخلد في العذاب مهانا. حتى إن البشر ليذهلون من دقة الكتاب وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: ٤٨- ٤٩].
[١٩] بلى، إن الإنسان يخشى من الموت، ويحاول جهده الفرار من ساحته، ولكن متى كان مصيره في يده، أو كان قادرا على رد قضاء الله؟ كلا، إن سكرة الموت تأتيه فتذهله عما يحيط به، كما تذهل سكرة الخمرة شاربها ويومئذ يعرف إن محاولاته في الهروب من الموت التي استغرقت أكثر مساعيه باءت جميعا بالفشل وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
[٢٠] وحينما يموت الإنسان تبقى بينه وبين الجزاء الحقيقي مسافة البرزخ، فإذا كان
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٦٧.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٢٩٦.