من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٧ - وما أنا بظلام للعبيد
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا بالكواكب التي تتناثر على بساطها البديع ليلا، واللون الأزرق الهادئ بالنهار وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ فهي محكمة في بنائها، لا ثغرة ولا كسرة وَالأَرْضَ لننظر إليها هي الأخرى، ونتفكر في خلقها مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ولم يقل جبالا، لأن كلمة الجبال لا تعبر عن دور الجبال في حفظ توازن الأرض كالمرساة التي تثبت السفينة في عرض البحر وفي أطراف الموانئ.
ومع ذلك ما كانت الأرض تصلح لعيش الإنسان عليها لو لم يتوفر فيها ما يحتاجه البشر من ضروريات وكماليات. لهذا كان من الحكمة الإلهية أن يوجد الرب أنواع الخلق على ظهرها وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ من الحيوانات، والنباتات والناس وكل شيء. وكلمة زوج تنطوي على معان كثيرة من أبرزها التكامل، الذي يدل- بدوره- على دقة النظم وحسن التدبير. أترى كيف جعل الله النبات والأحياء والبشر أزواجا، الذكر والأنثى، ثم الشعوب والقبائل، ثم جعل الناس يتفاضلون ليحتاجوا إلى بعضهم، ثم جعل كل شيء في الحياة بحاجة إلى غيره لتتكامل دورة الحياة بما يدع أدقَّ العقول حائرة في هذه الدورات التكاملية التي توازنت وتعادلت وشهدت على حكمة بارئها سبحانه.
ثم جعل الزوج بهيجا يجتذب بجماله الطرف الآخر حتى يسهل التفاعل ويكون أكرم من مجرد حاجة متبادلة.
[٨] وهذه كلها آيات بينات على حكمة الله التي تقتضي البعث للجزاء وعلى قدرته التي تجعل الأمر ممكنا بل محتملا. وهي لا تغيب عن بصر أحد من الناس فالكل يراها بعينيه، ولكنها تغيب عن بصائر الكفار ومرضى القلوب. تغيبها عنهم حجب الذنوب والجهل والغفلة، وتعيها أذن واعية وقلوب طاهرة من المؤمنين تَبْصِرَةً تزيدهم علما وفهما ووعيا ورؤية وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ تزيدهم إيمانا وموعظة وعبرة وتقوى، ونهتدي بهذه الآيات إلى فكرة أساسية، وهي أن الإيمان بالله مركز العلم الحق، ومنطلق الإيمان بسائر الحقائق، فالمؤمن يهتدي من خلال نظره إلى الأشياء، إلى المعارف والعلوم المختلفة، فإذا به ذو بصيرة نافذة في الحياة، كما يزداد يقينا بالحق، لأنه ينظر إلى الحياة بنور الإيمان بالله عزَّ وجلَّ، وهو رأس المعرفة وعماد الإيمان، بينما ينظر الكافر إلى الأشياء ذاتها، فلا يزداد إلا جهلا وكفرا، وتبقى الآيات الواضحة ألغازا في قلبه لأنه لا نور له في الحياة وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠]. لهذا جاء في الحديث المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام
[أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ][١].
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١.