من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٦ - وما أنا بظلام للعبيد
مرة أخرى، بلى؛ قد يتحلل كيمياويا في التراب، وتتبعثر عناصره ال: (١٣٠) عنصراً هنا وهناك في صورة ذرات تنقلها الأيدي، أو تذرها الرياح، ولكنها تبقى معلومة عند الله عزَّ وجلَّ، ومحفوظة في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ إذ تتحلَّل أوصالهم في ترابها وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ يسجل فيه كل شيء بدقة متناهية، أوَلَيس الله هو الذي خلق الإنسان من بعد العدم؟ فكيف يعجز عن جمع أوصاله وبعثه بعد الموت؟ إنه يعلم كم أكل التراب من جسم هذا الإنسان؟ وما هي الذرة من التراب التي كانت سابقا جزءا من بدنه؟ وكيف تحللت منه؟ وحين مات كمكان يحتوي عليه جسمه من الحديد، والأملاح، والماء وسائر العناصر بنسبها ووزنها ومساحتها التي تشغلها، وكم في كل عضو منها و .. الخ؟!
إن الإنسان ليتعجَّب لو نظر إلى صندوق يحوي ملايين القطع التي يتكون منها محرك الطائرات العسكرية، أو جهاز معقد آخر، وربما لا يصدق أن أحدا قادر على جمعها وتركيبها لتصير إلى ذلك مرة أخرى، أما الخبير الذي اخترعها وصنعها فليس كذلك، إنه ينظر للأمر على انه ممكن، بل هو أمر يسير، فكيف بالله الذي خلق الأشياء، والذي كان أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؟
[٥] إن مشكلة الكفار أنهم لا يتَّبعون الحق، بل لا يريدون اتباعه، لهذا تراهم لا يفقهون هذه الحقائق، ولا يثبتون على رأي واحد في الحياة لإتباعهم أهواءهم، إذ الحق واحد وثابت في كل زمان ومكان بينما الهوى متغير بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ والذي يؤكد هذه الفكرة موقفهم من الرسول صلى الله عليه واله، فهم يسمُّونه ساحرا تارة ومجنونا أخرى، وشاعرا ثالثة، وأمينا وصادقا و .. الخ، ولو أنهم اتبعوا الوحي لكان يعطيهم بصيرة وجوابا لكل سؤال، حتى سؤالهم هذا عن البعث، ولكنهم تركوه للهوى والمصالح فصاروا إلى الهرج والمرج، ولعل هذا يفسر بروز النظريات المختلفة والمتناقضة في مختلف الحقول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
[٧- ٦] ولو أن الكفار الذين يشكون في البعث نظروا إلى الخلق وتفكروا فيما عليه من النظم والتدبير لما تعجبوا من فكرة البعث، لأن العقدة الأساس هؤلاء هي شكهم في قدرة الله على ذلك. وشكّهم هذا تعبير عن جهلهم، فإذا تفكروا في خلق الله وازدادوا معرفة به وبآياته المتجلية في الكائنات، لهداهم ذلك إلى الإيمان بقدرة الله. أترى السماء على سعتها ومتانة خلقها وما فيها من الإبداع، والأرض التي ذللها الله، وألقى على ظهرها الجبال العظيمة تحفظ توازنها، وأوجد فيها كل ما يحتاج إليه ليصلح عيشنا فيها.
كل ذلك أفلا يهدينا إلى قدرة الله على إحيائنا بعد الموت؟!