من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٦ - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
الذين فضحتهم الأوامر بالقتال، وزعموا أن شقَّهم عصى الطاعة يفتُّ في عضد الرسول بينما الواقع هو أنهم هم الذين خسروا أعمالهم الصالحة التي قاموا بها، فأحبطها الله حيث لم يستقيموا على الصراط، ولا يجوز أن يمنُّوا بها على الرسول، لأنهم أبطلوها بخيانتهم للقيادة في الوقت الحرج.
وقال أكثر المفسرين: إن المعني بهذه الآية هم كفار مكة أو يهود المدينة، لأنهم صدُّوا عن سبيل الله بمحاربة الإسلام. وفسروا قوله تعالى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى بوضوح الحجج الإلهية عموما للناس الشاهدة على صدق الرسول. ولكني أرجح التفسير الأول لموافقته للظاهر من الآية حيث يظهر من هذه الكلمة أنه قد تبيَّن لهم الهدى فاهتدوا بالرسالة رَدَحاً من الزمان، كما أن هذا التفسير متوافق مع السياق القرآني الذي يحدثنا عن الموقف من القيادة الشرعية.
[٣٣] ويعود القرآن يؤكد ضرورة الطاعة للرسول وينذر المؤمنين بأن شقاقهم عنه يبطل أعمالهم.
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فالآية هذه هي العبرة الواعظة التي لا بد أن يعيها المؤمنون من عاقبة من سقط في الامتحان فارتد عن دينه وشاق الرسول. وهذا الأمر ينسحب على كل ولاية إلهية في كل عصر.
فعن مهزم الأسدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول
[قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: لَأُعَذِّبَنَّ كُلَّ رَعِيَّةٍ دَانَتْ بِإِمَامٍ لَيْسَ مِنَ اللهِ وإِنْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ فِي أَعْمَالِهَا بَرَّةً تَقِيَّةً ولَأَغْفِرَنَّ عَنْ كُلِّ رَعِيَّةٍ دَانَتْ بِكُلِّ إِمَامٍ مِنَ اللهِ وإِنْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ فِي أَعْمَالِهَا سَيِّئَةً] [١].
وعن عبد الله بن سنان عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام أنه قال
[إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بِإِمَامٍ لَيْسَ مِنَ اللهِ وإِنْ كَانَتْ فِي أَعْمَالِهَا بَرَّةً تَقِيَّةً وإِنَّ اللهَ لَيَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بِإِمَامٍ مِنَ اللهِ وإِنْ كَانَتْ فِي أَعْمَالِهَا ظَالِمَةً مُسِيئَة] [٢].
[٣٤] هل لهؤلاء الذين كفروا بالرسالة ومضوا على كفرهم من توبة؟ كلا .. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويبدو أن أعظم الصد هو منع الناس عن الجهاد، ولو بإصدار الفتاوى السلطانية التي تزِّور الحقائق، وتحرِّف الآيات وتبرِّر الواقع الفاسد. ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ بلى؛ إن هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله يزعمون أنهم سوف يتوبون إلى الله، كما أنهم يستخفون بذنوبهم، أو أنهم يحسبون أنهم مهتدون.
[١] الكافي: ج ١، ص ٣٧٦.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١٨ ص ١٠٥، تفسير العياشي: ج ١ ص ١٣٩.