من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
هَذِهِ الأَرْضِ، وَهُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ الأَعْضَاءَ المُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا، وَهَذِهِ الجُسُومَ المُضَرَّجَةَ وَيَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ عليه السلام لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ، وَلَايَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَأَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَتَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَأَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً] [١].
وكذلك حين خاطبت يزيد الحاكم الأموي الذي قتل ذرية رسول الله فقالت له
[وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَماً لَتَجِدُنَا وَشِيكاً مَغْرَماً حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فَإِلَى الله المُشْتَكَى وَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فَكِدْ كَيْدَكَ وَاسْعَ سَعْيَكَ وَنَاصِبْ جُهْدَكَ فَوَالله لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَاتُمِيتُ وَحْيَنَا وَلَاتُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَاتَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا] [٢].
هكذا كانت عليها السلام تنظر إلى آفاق المستقبل البعيدة، دون أن تأسرها مصاعب اللحظات الراهنة الآنية، وهكذا كان جميع حملة الرسالة عبر التاريخ، ينظرون إلى الآفاق البعيدة، فكانوا يتحملون تلك المصائب الرهيبة التي لو أنزلت على جبل لهدته هدا! بلى، بالإيمان بأن الله معهم، وأنه لا يضيع أعمالهم الصالحة، ويحفظ جميع جهودهم، ويباركها وينمِّيها وأنه يكيد الكافرين، ويحبط أعمالهم ويبطلها، وأن العاقبة للمتقين، بكل ذلك كان المجاهدون على امتداد التاريخ يتحدون الصعاب.
[٣٦] ونتساءل: لماذا تخور عزائم البعض في مواجهة أعداء الدين؟ لماذا يستحوذ عليهم الوهن ويدعون إلى السلم؟.
إن السبب هو حبُّ الدنيا، ولذلك يحذِّرنا الرب منها، ويبيِّن لنا القيمة الحقيقية لها فيقول إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وإذا انتزعنا حب الدنيا من قلوبنا، فسوف نتسلَّح بالشجاعة الكافية لمواجهة الأعداء، كما نستعد لاقتلاع جذور سائر الأمراض القلبية التي تحدثت عنها هذه السورة المباركة كالنفاق والحسد والكبر، لأن
[حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ]
[٣]- كما في حديث مأثور-.
وإذا جردت حياتنا في الدنيا من هدفها المتعالي المتمثل في بلوغ الجنة والرضوان، فهل يبقى فيها هدف معقول؟ كلا .. وماذا نتصوره من هدف حكيم للطعام والشراب لو تفكرنا فيه ليس سوى لذة عابرة، وقوة تتبدد، ودورات قصيرة لا ننتهي من واحدة حتى نقع في الأخرى،
[١] بحارالأنوار، ج ٢٨، ص ٥٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤٥، ص ١٣٤.
[٣] الكافي: ج ٢ ص ١٣٠.