من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - الإطار العام الإنسان؛ الكائن الهادف
فينادون رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ. وهيهات أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقد أنذرهم بما فيه الكفاية وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. ويأتيهم الخطاب إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ولعل هذا العذاب هو العذاب الأدنى، الذي يأخذهم ليكون نذيراً للعذاب الأكبر. وهذا بدوره من شواهد القيامة، يَوْمَ نَبْطِشُ- الله- الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى- فيومئذ لاينفع الاستغفار- إِنَّا مُنتَقِمُونَ (الآيات: ٧- ١٦).
ويسوق القرآن قصة فرعون لتكون شاهدة على مجمل هذه البصائر التي سبقت تقدير الله الحكيم: إنذار الرسل، نزول العذاب، الجزاء الحسن الذي أتاه بني اسرائيل. وتلك هي فتنة كبرى تعرض لها قوم فرعون فلم يفلحوا حيث جاءهم النبي موسى عليه السلام بالبلاغ المبين، فلما رجموه بالتهم، دعا عليهم، فجاءه النصر، حيث أغرق الله فرعون وقومه ليتركوا وراءهم ثرواتهم دون أن تذرف السماء عليهم دمعة. أوَليسوا كانوا خاطئين، حيث زاغوا عن القدر الحكيم، والصراط المستقيم. تلك هي سنة الجزاء، ودليل على أن الله خلق كل شيء بالحق؟ (الآيات: ١٧- ٢٩).
وكذلك فقد نجى الله بني اسرائيل من العذاب المهين، واختارهم على علم؛ واستحقاق لديهم على العالمين.
كيف يُترك الإنسان سدىً، وبلا محاسبة، وكيف تكون حياته الدنيا خاتمة المطاف، ولقد أهلك الله قوم تبع، حيث كانوا مجرمين، وفي هذا دليل على حكومة الله العادلة على مجريات التاريخ، كما أنه يكشف عن جانب من عقلانية الخليقة، وأن الله لم يخلق السماوات الأرض مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وعدم علمهم دليل جهلهم، لاعدم صحة هذه الحقيقة (الآيات: ٣٠- ٣٩).
ويفصل الذكر الحكيم جانباً من جزاء الله في يوم القيامة، ويقول إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ. في ذلك اليوم لا ينفع الأنداد الذين يشركون بهم، يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، وحتى لو أنهم نصروهم فإنهم لا ينصرون (الآيات: ٤٠- ٤٢).
وبعد بيان طعام شجرة الزقوم، وكيف يقيَّد المجرم إلى عذاب النار، يعرض الرب لنا جانباً من نعيم الله للمتقين، ويختم القرآن السورة بأن تيسير الكتاب كان بهدف تذكيرهم؛ فمنهم من يتذكر ومنهم من ينتظر فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (الآيات: ٤٣- ٥٩).
وهكذا ينذر القرآن عباده بالجزاء الأوفى الذي هو رمز حقانية الخليقة، وعدالة الله وتقديره الحكيم.