من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - فأصلحوا بين أخويكم
والأُخْرَى عَادِلَةٌ فَهَزَمَتِ العَادِلَةُ البَاغِيَةَ. فَقَالَ عليه السلام
[لَيْسَ لِأَهْلِ العَدْلِ أَنْ يَتْبَعُوا مُدْبِراً ولَا يَقْتُلُوا أَسِيراً ولَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وهَذَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ البَغْيِ أَحَدٌ ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فَإِنَّ أَسِيرَهُمْ يُقْتَلُ ومُدْبِرَهُمْ يُتْبَعُ وجَرِيحَهُمْ يُجْهَزُ] [١].
وقال المحقق في الشرائع: [من كان من أهل البغي لهم فئة يرجع إليها جاز الإجهاز على جريحهم وإتباع مدبرهم وقتل أسيرهم ...]. فعلق عليه صاحب الجواهر بقوله: [بلا خلاف أجده في شيء من ذلك] [٢].
وهذا الحكم يستفاد أيضا من الآية الكريمة، لأن ذا الفئة من البغاة لا يزال في حالة الحرب إذا لم ينفصل عنهم أوَلَيست فئته تحارب المسلمين وهو لم يتبرأ منهم .. فلم يتحقق فيهم قوله سبحانه حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. وجاء في حديث مأثور أنه: [أُتِيَ عَلِيٌّ بِأَسِيرٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَبَايَعَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام
[لَا أَقْتُلُكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ]
فَخَلَّى سَبِيلَهُ وأَعْطَاهُ سَلَبَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ] [٣]. ومن هنا يظهر أن الأسير يستتاب فإن تبرأ من قومه أطلق سراحه، والله العالم.
[١٠] كما النَّهر يطهِّر بعضه بعضا، كذلك المؤمنون لا يفتؤون يصلحون ما فسد من علاقاتهم ببعضهم حتى يصبحوا إخوانا.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وجاءت الكلمة بصيغة الحصر لتذكرنا بأن الإيمان الذي لا يرفع المنتمين إليه إلى حالة الأخوة إيمان ضعيف ناقص، فهاهنا تقاس التقوى، وتمحص النفوس للإيمان، ويستبين الصادقون عن المنافقين.
عشرات الأنظمة الاجتماعية، ومئات الوصايا الأخلاقية توالت في الدين ليبلغ المسلمون حالة الأخوة الإيمانية، ومتى ما خالفنا بعضها انماث الإيمان في القلوب كما تنماث حبة الملح في كف المحيط .. وجاءت الروايات تترى وهي توصينا بحقوق إخوتنا في الإيمان، تعالوا نستمع إلى بعضها لعلنا نخلق ذلك المجتمع الأمثل الذي يتحدَّى أعاصير الفتنة والصراع.
روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
[لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ثَلَاثُونَ حَقّاً لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالأَدَاءِ أَوِ العَفْوِ: يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، ويَرْحَمُ عَبْرَتَهُ، ويَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، ويُقِيلُ عَثْرَتَهُ، ويَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ، ويَرُدُّ غِيبَتَهُ، ويُدِيمُ نَصِيحَتَهُ، ويَحْفَظُ خُلَّتَهُ، ويَرْعَى ذِمَّتَهُ، ويَعُودُ مَرْضَتَهُ، ويَشْهَدُ مَيْتَتَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ، ويَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، ويُكَافِئُ صِلَتَهُ، ويَشْكُرُ نِعْمَتَهُ، ويُحْسِنُ نُصْرَتَهُ،
[١] الكافي: ج ٥ ص ٣٢.
[٢] جواهر الكلام: ج ٢١ ص ٣٢٨.
[٣] تهذيب الأحكام: ج ٦ ص ١٥٣.