من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - ولا يغتب بعضكم بعضا
[النور: ٦١]. أي سلموا على بعضكم. إن الإخلال بالآداب الاجتماعية أسرع شيء تأثيرا على صاحبه، لأن الحالة الاجتماعية ستعمُّه سريعا، ثم إن الذي تلمزه لا يترك العيب عليك، فتسقط هيبة الجميع، ويرفع حجاب الحياء وتتسع الكلمات البذيئة وينتشر الجو السلبي. ثم إن اللمز- كما السخرية بالآخرين- خطوة في طريق إفساد العلاقات الاجتماعية، وجرثومة الصراعات الخطيرة، لا بد أن نقف دونها بحزم حتى لا تتطور.
وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ أن يلقِّب بعضنا بعضا بالألقاب البغيضة. وفي الروايات: أنه يستحب أن ينادي الأخ أخاه بأحب الأسماء إليه [١].
وإننا قد نسيء إلى إخوتنا من غير قصد كأن نلقبه باسم أمام الآخرين، باسم لا يرضاه، وقد نقوله له بحسن نية غير جد، فيأخذه الآخرون مأخذ الجد ويعيِّروه به حتى ينطبع عليه، ويسيء إلى شخصه وشخصيته. وتختلف تلك الألقاب باختلاف المجتمعات، وعموما فإن كل لقب لا يرضى به صاحبه يجب أن نمتنع عن تلقيبه به.
وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ أي لا تتبادلوا بينكم الألقاب السيئة التي تؤثر على سمعة المجتمع الإسلامي، إنما ينبغي أن نختار أفضل الألقاب، وأحب الأسماء فنطلقها على إخوتنا.
إن طهارة اللسان ونظافة الأجواء الاجتماعية تطبع حياتنا بأحسن الصور. أرأيت لو قَدِمْتَ مدينة قذرة لا يأبه أهلها بنظافة أبدانهم، أفلا تتمنى لو تخرج منها سريعا؟ كذلك المجتمع حين يعبق طيب الكلمات الحسنة في أرجائه يستريح الإنسان إليه، أما إذا انتشر فيه ريحة نتنة نهرب منها.
وقد نزلت هذه الآية- حسب المفسرين- في أن الرجل كان يعيَّر بأصله بعد إسلامه فيقال له: يايهودي، يانصراني .. وقال البعض: [إن الرجل كان له الاسمان والثلاثة فيدعى ببعضها فعسى يكره فنزلت الآية] [٢].
بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ فالأسماء التي كانت للجاهلية لا تصلح للمسلمين الذين رفع الله شأنهم بالإيمان، ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه واله
[مِنْ حَقِّ المُؤْمِنِ عَلَى المُؤْمِن أَنْ يُسَمِّيَه بِأَحَبِّ أَسْمَائهِ إِلَيْه][٣].
[١] عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ
[قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله ثَلَاثٌ يُصْفِينَ وُدَّ المَرْءِ لِأَخِيهِ المُسْلِمِ يَلْقَاهُ بِالبُشْرِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُوَسِّعُ لَهُ فِي المَجْلِسِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ وَيَدْعُوهُ بِأَحَبِّ الأَسْمَاءِ إِلَيْهِ]
الكافي: ج ٢، ص ٦٤٣.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٢٨.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٢٣٠.