من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
لمعرفة الحقائق، فقاسوا كل شيء بميزان الماديات. وهكذا زعموا أن رسالة الله لا بد أن تتنزَّل على كبار المترفين، أوليس قد خصهم الله بنعمة الغنى حبا لهم وإكراما لمقامهم، إذن فهم أحق بنعمة الرسالة وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
جاء في النصوص الدينية في تفسير هذه الآية عن الإمام العسكري عليه السلام عن أبيه قال
[أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله كَانَ قَاعِداً ذَاتَ يَوْمٍ بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، ... قَالَ لهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ: لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَبَعَثَ أَجَلَّ مَنْ فِيمَا بَيْنَنَا مَالًا وَأَحْسَنَهُ حَالًا فَهَلَّا نَزَلَ هَذَا القُرْآنُ الَّذِي تَزْعَمُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ وَابْتَعَثَكَ بِهِ رَسُولًا
عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
إِمَّا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِمَكَّةَ وَإِمَّا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ بِالطَّائِفِ
، .... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله
وَأَمَّا قَوْلُكَ
لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
، الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بِمَكَّةَ أَوْ عُرْوَةَ بِالطَّائِفِ، فَإِنَّ اللهَ لَيْسَ يَسْتَعْظِمُ مَالَ الدُّنْيَا كَمَا تَسْتَعْظِمُهُ أَنْتَ وَلَا خَطَرَ لَهُ عِنْدَهُ كَمَا لَهُ عِنْدَكَ بَلْ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُ تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِراً بِهِ مُخَالِفاً لَهُ شَرْبَةَ مَاءٍ، وَلَيْسَ قِسْمَةُ رَحْمَةِ الله إِلَيْكَ بَلِ اللهُ هُوَ القَاسِمُ لِلرَّحْمَاتِ وَالفَاعِلُ لِمَا يَشَاءُ فِي عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ.
وَلَيْسَ هُوَ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَخَافُ أَحَداً، كَمَا تَخَافُهُ أَنْتَ لِمَالِهِ وَحَالِهِ فَعَرَفْتَهُ
[فَتَعْرِفَهُ]
بِالنُّبُوَّةِ لِذَلِكَ. وَلَا مِمَّنْ يَطْمَعُ فِي أَحَدٍ فِي مَالِهِ أَوْ حَالِهِ كَمَا تَطْمَعُ فَتَخُصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذَلِكَ.
وَلَا مِمَّنْ يُحِبُّ أَحَداً مَحَبَّةَ الهَوَى كَمَا تُحِبُّ فَيُقَدِّمَ مَنْ لَايَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ، وَإِنَّمَا مُعَامَلَتُهُ بِالعَدْلِ فَلَا يُؤْثِرُ لِأَفْضَلِ مَرَاتِبِ الدِّينِ وَخِلَالِهِ إِلَّا الأَفْضَلَ فِي طَاعَتِهِ وَالأَجَدَّ فِي خِدْمَتِهِ. وَكَذَا لَا يُؤَخِّرُ فِي مَرَاتِبِ الدِّينِ وَخِلَالِهِ إِلَّا أَشَدَّهُمْ تَبَاطُؤاً عَنْ طَاعَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا صِفَتُهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَالٍ وَلَا إِلَى حَالٍ بَلْ هَذَا المَالُ وَالحَالُ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ عَلَيْهِ ضَرِيبَةٌ لَازِمَةٌ فَلَا يُقَالُ لَهُ: إِذَا تَفَضَّلْتَ بِالمَالِ عَلَى عَبْدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ أَيْضاً. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِكْرَاهُهُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ وَلَا إِلْزَامُهُ تَفَضُّلًا لِأَنَّهُ تَفَضَّلَ قَبْلَهُ بِنِعْمَةٍ.
أَلَا تَرَى يَا عَبْدَاللهِ كَيْفَ أَغْنَى وَاحِداً وَقَبَّحَ صُورَتَهُ وَكَيْفَ حَسَّنَ صُورَةَ وَاحِدٍ وَأَفْقَرَهُ وَكَيْفَ شَرَّفَ وَاحِداً وَأَفْقَرَهُ وَكَيْفَ أَغْنَى وَاحِداً وَوَضَعَهُ ثُمَّ لَيْسَ لِهَذَا الغَنِيِّ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا أُضِيفَ إِلَى يَسَارِي جَمَالُ فُلَانٍ. وَلَا لِلْجَمِيلِ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا أُضِيفَ إِلَى جِمَالِي مَالُ فُلَانٍ. وَلَا لِلشَّرِيفِ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا أُضِيفَ إِلَى شَرَفِي مَالُ فُلَانٍ. وَلَا لِلْوَضِيعِ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا أُضِيفَ إِلَى ضِعَتِي شَرَفُ فُلَانٍ. وَلَكِنَّ الحُكْمَ لِلهِ يَقْسِمُ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ وَهُوَ حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ مَحْمُودٌ فِي أَعْمَالِهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ
وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
. قَالَ