من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
المحدد، فهي إذا ليست هوجاء تمضي من دون أمر.
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا تتصل ظواهر الطبيعة بعمل الإنسان حتى لا تكون حادثة صغيرة أو كبيرة إلا ولها علاقة بما يختلج في قلبه أو تكسبه يداه، أو تبلو به سرائره وتختبر إرادته، فحتى الأمواج الهادرة التي تحيط بالسفن الشراعية وهي تمخر عباب البحر ليست بعيدة عما يجري في داخل السفينة. أرأيت كيف تتساقط أغشية الشرك عن أبصارهم فيهرعون إلى الدعاء لكي ينقذهم الله من ورطتهم، كما يصف ربنا ذلك بقوله هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ [يونس: ٢٢].
بلى، إن هذه البصيرة تجعل الإنسان يزداد تحسسا بالمسؤولية، واتقاء للأخطاء، وانضباطا في أعماله وأقواله ونياته ألا تفسق عن الحدود التي رسمها له الله. أوَلَيس كل شيء يحدث بأمر ربه؟ أوليس الله حكيما لا يقضي بشيء من دون استحقاق؟ إذا دعنا نكون حذرين، نتورع عن ما يغضب الرب، ونعتبر بمصير الغابرين.
إن الجهل والعناد والجحود لا تنفعنا شيئا، بل هي مسؤولة عن وقوع أكثر الناس في المهالك. إنهم يزعمون أن الطبيعة عمياء تصيب ضحاياها بلا قانون! كلا .. إنها مأمورة، وربها الذي يدبرها عليم حكيم.
وها قد نزلت الكارثة بقوم عاد بأمر الله، واجتاحت العاصفة ديارهم ودمرتهم فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ودليل أن الريح كانت مأمورة أنها لم تأخذ إلا المجرمين منهم كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ فهي سنة عامة لا تخص عادا وحدهم، فأي قوم مجرمين لا بد أن يحيق بهم عملهم يوما.
أما هود والمؤمنون معه فقد أنجاهم الله، قالوا: [إنهم اعتزلوا في حظيرة، ما يصيبه ومن معه إلا ما يلين أعلى ثيابهم، وتلتذ الأنفس به، بينما كانت تمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا] [١].
وقد جاء في التاريخ .. [روي أن المهدي أمر بحفر بئر بقرب قبر العبادي [٢] لعطش الحاج هناك، فحفر أكثر من مائة قامة، فبينما هم يحفرون إذ خرقوا خرقا فإذا تحته هواء لايدرى قعره
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٢٠٧.
[٢] وهو حسب قول الحموي: [منزل في طريق مكة من القادسية إلى العذيب].