من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ والظهور (الانتصار) مرة يكون بالحرب، ومرة عن طريق الصلح، والرب هو الذي أمر الرسول بالصلح مع المشركين، وهو تكفل بإظهار دينه ورسوله والمؤمنين به على سائر الديانات والأمم.
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً لقد تنامت أمواج الرسالة في العالم منذ انبعاث الرسول العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله إلى اليوم. أوَلَيس ذلك دليلا على تحقق وعد الله في ظهور الإسلام على الدين كله؟ وقد جاء في التقارير أن نمو عدد المسلمين أكبر من ازدياد المنتمين إلى أي ديانة أخرى؟ وهكذا تنتظر البشرية اليوم الحق الذي وعدها الله إياه حيث يظهر دينه على الدين كله.
[٢٩] ثم إن النبيصلى الله عليه واله الذي اتخذ قرار الصلح ليس قائدا عاديا حتى يجوز معه النقاش. إنه رسول الله الذي عصمه عن الخطأ، ولم يكن الذين حوله من الرجال قد أصابهم الوهن حتى يجد نفسه مجبرا على الصلح، فهم ليوث الأرض وفيهم أسد الله وأسد رسوله علي عليه السلام الذي وَتَرَ به النبي صناديد قريش.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ فلا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يتأثرون بالعواطف في جنبه، قال الإمام علي عليه السلام
[فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله وإِنَّ القَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآباءِ والأَبْنَاءِ والإِخْوَانِ والقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وشِدَّةٍ إِلَّا إِيمَاناً] [١].
وفي الوقت الذي تتميَّز الشخصية الإيمانية بالحدة والشدة ضد الأعداء، فإنها في وجهها الآخر كلها رحمة ولطف بإخوة المسيرة الواحدة. رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ هذا عن علاقتهم بالناس، أما عن علاقتهم بالله، فهي علاقة العبودية والخضوع المطلق .. يمارسون العبادة في كل حركة من حركاتهم، وفي كلَّ كلمة ينطقون بها، لأن كل ما يصدر منهم هو تجلِّ للصلاة والعبادات بأهدافها وقيمها.
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً إنك تقرأ الصلاة في سلوكهم، فهم متصلون بالله، منتهون عن الفحشاء والمنكر، صادقون مع الآخرين، ملتزمون بواجباتهم .. الخ، لأن العبادة في نظرهم ليست مجرد الركوع والسجود، ومن ثَمَّ الوقوف عند الصلاة بذاتها، وإنما التحرك في الحياة بمقتضياتها وأهدافها، وأبرز تلك الأهداف اثنان: ابتغاء فضل الله في الدنيا، ورضوانه في الآخرة.
[١] نهج البلاغة: خطبة ١٢٢.