من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٦ - وأثابهم فتحا قريبا
الانتشار وإعداد أنفسهم للمواجهة الحاسمة مع أعدائهم على الصعيد الخارجي، كما أنه على صعيد الجبهة الداخلية كشف عن حقيقة المنتمين إليهم مما ساهم في تصفية العناصر الضعيفة وتمتين الجبهة الداخلية.
بلى، إذا كان هؤلاء يريدون العودة إلى صف المؤمنين والقيادة الرسالية لا بد أن يتوبوا توبة صادقة، وهنالك تسعهم رحمة الله، وتستوعبهم صفوف المؤمنين، وتقبلهم القيادة، ولكن بشرط أن يبرهنوا عمليا على صدقهم بالوقوف مع المؤمنين في الشدائد الحاسمة.
ونستفيد من هذا الحكم الإلهي حكمة بالغة في معاملة هذه النوعية من الأفراد، وهي أن لا تقبلهم القيادة الرسالية بعدما تخلفوا عن تجمعها وأوامرها في الشدة، إلا إذا أظهروا توبتهم، ووطنوا أنفسهم على خوض الجهاد تحت رايتها، لأن قبول هذه النوعية من دون امتحان عسير يثبت صدقها قد يكلف الحركة الرسالية الكثير، لو أنهم عادوا لطبيعتهم الانهزامية وانشقوا وشقوا عصا الطاعة في موقف خطير أو مهمة حاسمة يكلِّف التمرُّد فيهما أضعاف ما يكلفه التمرد في الظروف العادية.
بينات من الآيات
[١٥] سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا وقد تمردوا من قبل على أمر القيادة، وتخلفوا عن المسير معكم، لا لأنهم اكتشفوا خطأ في خط الرسالة، بل لأنهم التحقوا به التحاقا مصلحيا، وحيث ظنوا- مجرد ظن- بأن المسير إلى مكة يعني الإبادة، فهو خال من المصالح، نكصوا على أعقابهم، أما الآن والمسلمون يسيرون إلى فتح مؤكد في نظرهم- وهو غزوة حنين حسب بعض التفاسير- فإنهم يحاولون بكل طريق العودة إلى صفوف الجيش الإسلامي، ولكن ليس من باب التوبة وإنما المصلحة.
ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ وقد حذرهم الله من عواقب التخلف عن نصرة رسوله صلى الله عليه واله، وأنه سوف يعذبهم، ويمحو أسماءهم من قائمة المقاتلين المؤمنين، لأن المقاتل المؤمن هو الذي يتبع أوامر قيادته في كل مكان وأي زمان، وحيث نكصوا جزاهم الله بذلك، وهم الآن يسعون لتبديل ما حكم الله به.
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ولكن هذا الحكم الشرعي ثابت لا يتغير، وهو أن من يتمرد على القيادة الرسالية في الظروف الصعبة ينبغي أن يطرد من صفوف المقاتلين.
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا فنحن مأمورون من قبل الله أن لا نقبلكم من دون شرط وقيد.