من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، فكيف إذا أحسوا بالاستغناء وتحرَّزوا من قيود الاحتياج إلى الآخرين؟! بل لو لم يتفاضل الناس بالمواهب لما بنيت حضارة، ولا تنامى مجتمع إن تجمع، ولعاش الناس كما سائر الأحياء في صراع أبدي.
وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ لقد زعموا أن الرسالة لا بد أن تهبط على الأغنياء، فردهم الله بأنه هو الذي يقسم بينهم معايشهم، وأنه خص كل فرد بموهبة، وأضاف: إن قيمة الرسالة أعظم من قيمة المال، فلو كان ينبغي اجتماع الخير عند آخر فلا بد أن تجتمع عند صاحب الرسالة، لأنها أعظم قيمة عند الله.
[٣٣] ولكي يقتلع جذور هذا التقييم الخطأ من قلوب البشر، مضى السِّياق في بيان خساسة الدنيا وعدم احترامها عند الله لأنها زائلة، فإذا قيست بالآخرة لم تكن سوى متاع يسير وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أي على دين واحد هو الكفر بالله لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ أي لولا الخوف من تحول المؤمنين كافرين لأعطى الله الكفار كل ما يريدون، ولجعل سقوف بيوتهم من فضة، ولجعل بيوتهم طبقات عديدة يرتقون إليها عبر سلالم ودرجات.
[٣٤] وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ربما سبب ذكر الأبواب لبيوت من يكفر بالرحمن هو أن تكون بيوتهم مركزا اجتماعيا، أو يكون تعدد الأبواب دليل سعة البيوت، أو المراد أن تكون تلك الأبواب كما السرر من فضة.
[٣٥] وَزُخْرُفاً قال العلامة الطبرسي: [الزخرف كمال حسن الشيء، ومنه قيل للذهب زخرف. ويقال: زخرفه زخرفة إذا حسَّنه وزيَّنه، ومنه قيل للنقوش والتصاوير زخرف] [١].
وعلى هذا يكون المعنى أعطاهم ما يكمل حسنهم وحسن بيوتهم من الذهب والفضة والفرش والأثاث، وما إلى ذلك.
ولكن الله منع بحكمته هذه النعم عنهم لكي لا يبتلى المؤمنون بلاء عظيما، فلو فعل ذلك لم يتحمل أحد منهم إغراء النعم المتوافرة عند الكفار فكانوا يكفرون بالله جميعا.
جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
[لَو فَعَلَ اللُه ذَلِكَ لمَا آَمَنَ أَحَدٌ وَلكِنَّهُ جَعَلَ فِي المُؤمِنيِنَ أَغْنيَاءَ وَفِي الكَافِريْنَ فُقَراءَ وَجَعَلَ فِي الكَافِريْنَ أَغْنيِاءَ وَفِي المُؤمِنيِنَ فُقَراءَ ثُمَّ امْتَحنَهًمُ
[١] مجمع البيان: ج ٩ ص ٦١.