من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٥ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ]
[١] فلا يضيع لديه حكم سنة الله، ولا حق لأحد، فعهد الله له بالاستقامة على الحق محفوظ، يصدق مع الناس ولا يغش، ويرعى الامانة و .... وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة: ١١٢].
إن المتقين يرون أنفسهم شهداء في تطبيق النظام الاسلامي، وحدود الشريعة المقدسة. لذلك فهم لا يعطون لأنفسهم الحق في تغيير الحدود الدينية بتبرير أنهم ثوار ومجاهدون، بل إنك تراهم يلتزمون قبل غيرهم بتفاصيل المناهج التي بينها لهم ربهم سبحانه، ولذلك فإن الله يعدهم برحمة منه واسعة، ويبدو أن القرآن يشير الى هذين الأساسين للتقوى بقوله سبحانه هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ.
[٣٣] وتسأل: متى يؤوب الإنسان إلى الله ويحفظ حدوده؟.
والجواب: حينما يخشاه بالحق، وذلك أن الإنسان قد يظهر إمارات الخوف لأهداف ومصالح دنيوية يرومها، إلا أنها لا واقع لها، والخائف الصادق من الله هو الذي يخشاه حينما يكون بعيدا عن الأنظار، فإذا به وقد تهيأت له أسباب المعصية يقاوم شهوته ويتركها إيمانا منه برقابة الله- في منأى عن أعين الناس- التي هي في نظره أهم من أية رقابة أخرى.
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ والإسلام يسعى قبل كل شيء لزرع الوازع الديني- الخوف من الله- في نفوس أتباعه كضمانة للالتزام بأنظمته وأحكامه، ذلك أن أثر هذا الدافع أبلغ من سائر الروادع وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وتشير كلمة وَجَاءَ إلى شرط الجنة الاستقامة على الحق حتى لقاء الله والمجيء له تعالى بقلب طاهر سليم.
[٣٤] وإذا أحرز الإنسان هذه الصفات صار في زمرة المتقين الذين يدخلون الجنة بسلام ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ الإنسان في الدنيا لا يصل الى ما يريد إلا بالجهد والتضحية، ثم إن أجله محدود فيها مما يجعل لذته بنعمها قصيرة على خلاف الجنة، فإن ما يحصل منها لا تعب فيه ولا لغوب ولا صراع ولا منافسة ولا يورث مرضا أو غصة، بينما الدنيا بعكس ذلك تماما (لا سلام فيها) بل هي قائمة على أساس الفساد فلا ينال المرء فيها نعمة إلا بترك أخرى، ولا يتمتع بلذة إلا وتسبب له منغصة، ولا يستقبل يوما من عمره إلا بوداع يوم من أجله حتى قال الشاعر [٢]
زيادة المرء في دنياه نقصان
وربحه غير محض الخير خسران