من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥١ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
فقد أنكره. والاعتراف بالشيء أو بالشخص يعني الاعتراف بوجوده وحقوقه، وتنظيم حياة العارف حسب ذلك الوجود وتلك الحقوق. دعنا نضرب مثلًا؛ لو أنك تعرف أن أمامك شجرة، فإن هذه المعرفة تجعلك تعترف بوجودها فلا تصطدم بها. كذلك لو عرفت أن أمامك إنساناً، فإنك تنظم مسيرتك بحيث لا تصطدم به، وأيضاً تحترمه وتحييِّه وتستجيب له لو دعاك، وتغيثه لو استغاث بك. وهكذا المعرفة تحمّل صاحبها المسؤولية. والتعارف معرفة متبادلة، واعتراف متبادل، واحترام متبادل؛ وكل أولئك من حكم خلق الإنسان وأهدافه.
ومما يدلل على هذا الفهم ل (التعارف) أن الآيات السابقة جعلت الجهل بالآخر هو مسبب للسخرية والاستخفاف بحرمات وحقوق الآخرين.
وهذه البصيرة تهدينا
أولًا: إلى مشروعية هذه التقسيمات الطبيعية وأنها- في الأساس- نافعة، وعلينا أن نعيدها إلى طهرها، بعيدا عن كل ألوان العصبية والتعالي لنجني ثمارها الطيبة.
وهذا ما يدعو إليه الإسلام كما جاء في النصوص الدينية من ضرورة صلة الرحم والتواصل مع العشيرة جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ] [١].
وقال
[لمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ رَأَيْتُ رَحِماً مُتَعَلِّقَةً بِالعَرْشِ تَشْكُو إِلَى اللهِ رَحِماً لَهَا فَقُلْتُ: كَمْ بَيْنَكِ وبَيْنَهَا مِنْ أَبٍ؟ فَقَالَتْ: نَلْتَقِي فِي أَرْبَعِينَ أَباً] [٢].
وجاء في رواية مأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه خطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
[لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ ووَلَدٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ وعَنْ مُدَارَاتِهِمْ وكَرَامَتِهِمْ ودِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وأَلْسِنَتِهِمْ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حِيَاطَةً لَهُ مِنْ وَرَائِهِ وأَلَمُّهُمْ لِشُؤُونِهِ وأَعْظَمُهُمْ عَلَيْهِ حُنُوّاً إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ أَوْ نَزَلَ بِهِ يَوْماً بَعْضُ مَكَارِهِ الأُمُورِ ومَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا يَقْبِضُ عَنْهُمْ يَداً وَاحِدَةً وتُقْبَضُ عَنْهُ مِنْهُمْ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ ومَنْ مَحَضَ عَشِيرَتَهُ صِدْقَ المَوَدَّةِ وبَسَطَ عَلَيْهِمْ يَدَهُ بِالمَعْرُوفِ إِذَا وَجَدَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله أَخْلَفَ اللهُ لَهُ مَا أَنْفَقَ فِي دُنْيَاهُ وضَاعَفَ لَهُ الأَجْرَ فِي آخِرَتِهِ] [٣].
ثانياً: إن التعارف بين الناس واحد من أهم مقاصد الشريعة الغراء، لماذا؟ لولا معرفة الناس لما اكتملت حكمة الابتلاء في الخلق، أوتدري لماذا؟ لأن الابتلاء لا يتم إلا بالحرية والمسؤولية فلو اختلط الناس ببعضهم كيف يميَّز الصالح فيثاب عن المجرم فيعاقب؟ أم
[١] بحار الأنوار: ج ٧١ ص ٩١.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢١ ص ٥٠٢.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧١ ص ١٠١.