من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٢ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
كيف تتراكم مكاسب المحسنين وتحصَّن من أن يسرقها الكسالى والمجرمون؟ كلا. لا بد أن يميَّز الناس عن بعضهم تمييزا كافيا ليأخذ كل ذي حق حقه، فيشجعه ذلك على المزيد من العطاء، ويأخذ التنافس دوره في دفع عجلة الحياة قدما إلى الأمام.
ثالثاً: إن حكمة الاختلاف هو التكامل- بعد التنافس على الخيرات- وليس الصراع والتطاحن، وقد قال ربنا سبحانه وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، ومن دون التعارف كيف يتم التعاون؟ إن على الناس أن يكتشفوا إمكانات بعضهم ليتبادلوا الخيرات، أما إذا تقوقعت كل طائفة في حدودها الجغرافية أو الاجتماعية ولم يتعارفوا فكيف يمكن التعاون بينهم؟
ولعل هذه البصيرة تهدينا إلى أهمية التعارف بين الشعوب في عصرنا الراهن، لأن إمكانات التعاون بينهم لا تزال غير مستثمرة حتى بنسبة (١٠%) ولو ضاعفنا المؤسسات العالمية في كافة المجالات عشرات الأضعاف لكانت فرص التعاون لا تزال أوسع.
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ حينما تسقط القيم الزائفة، والعصبيات الجاهلية المتخلفة ينفتح أفق التنافس الشريف على الخيرات التي يلخِّصها القرآن هنا بكلمة (التقوى) و يفصلها في آية مشابهة قائلا وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨]. ونستلهم من لحن القول في هذه الآية: أن التنافس على العمل الصالح والتسابق في الخيرات هو هدف اختلاف الشعوب، وأن لكل منهم شرعة ومنهاجا، بل إن هذا الاختلاف والتنوع مطلوب إذا كان وسيلة للتنافس البناء، والتعارف والتعاون، كما أنَّ الاختلاف بين الناس في مجتمع واحد هدفه التسارع إلى الخيرات، والتعاون فيها كذلك التفرع بين الشعوب والمجتمعات المتنوعة أليس يقول ربنا سبحانه أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٣٢]. وإذا كان الهدف من هذا التنوع التسارع في الخيرات، فإن أكرم الخلق عند الله من استبق إليها، فالأقرب إلى الصراط المستقيم، والأسبق في الصالحات هو الأكرم، لأنه الذي يحقق الهدف دون غيره، وإلى هذه تشير كلمة التقوى .. أليست التقوى هي المعرفة بالله والعلم بشريعته، والاجتهاد في تنفيذها؟.
وأصل الكلمة من الوقاية، أي التحصّن لمواجهة أسباب الهلاك ولا تحصل هذه الوقاية