من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
في الحياة، والقرآن يقول عن فرعون وقومه حيث كفروا بالآيات وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤]، وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى [محمد: ٢٥]، وقوله وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية: ٢٣]، فالآيات تثبت الجحود الارتداد والكفر والضلال مع العلم.
إذن فيقين القلب وحده لا يكفي في حصول الإيمان، بل لا بد من الالتزام بمقتضاه وتسليم القلب لهذه المعرفة المنافي لجحودها بحيث يترتب عليه آثاره العملية أي اقرار اللسان وعمل الجوارح. فتسليم القلب بوحده لا ينفع من دون العمل الصالح، كما أن العمل الصالح- في ظاهره- لا يكفي بدون تسليم القلب، إذ هو حينئذ من النفاق.
إن مشركي قريش كانوا يعرفون في داخل أنفسهم صدق الرسول وأمانته، ولكنهم لم يعترفوا له بذلك في واقع حياتهم، بل خالفوه واتهموه بالكذب والسحر، بينما الإيمان الحقيقي هو المعرفة بالعقل والتسليم بالقلب والعمل بالجوارح، ولذلك جاء في حديث مفصل عن الإمام علي عليه السلام، أن الإيمان موزع على جوارح الإنسان، لكل جارحة منه ما يناسبها من الإيمان [١]، وبقدر انحراف أي جارحة عن التزاماتها يفقد البشر من إيمانه.
وعن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
[مَنْ لَقِيَ اللهَ كَامِلَ الإِيمَانِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ومَنْ كَانَ مُضَيِّعاً لِشَيْءٍ مِمَّا افْتَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الجَوَارِحِ وتَعَدَّى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وارْتَكَبَ مَا نَهَى عَنْهُ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى نَاقِصَ الإِيمَانِ. وقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
وقَالَ تَعَالَى
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
. وقَالَ سُبْحَانَهُ
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
، وقَالَ
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ
، وقَالَ
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ .....- ويعلِّق الإمام علي عليه السلام على هذه الرواية فيقول:-
[ولَوْ كَانَ الإِيمَانُ كُلُّهُ وَاحِداً لَازِيَادَةَ فِيهِ ولَا نُقْصَانَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أَحَدٍ ولَتَسَاوَى النَّاسُ فِي تَمَامِ الإِيمَانِ وبِكَمَالِهِ دَخَلَ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ ونَالُوا الدَّرَجَاتِ فِيهَا وبِذَهَابِهِ ونُقْصَانِهِ دَخَلَ آخَرُونَ النَّارَ] [٢].
وربنا فتح للمسلمين مكة، وأنزل عليهم السكينة، لكي يكمل إيمانهم أكثر، فيصير
[١] الرواية مفصلة وطويلة، راجع بحار الأنوار: ج ٩٠، ص ٤٩- ٥٣، مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ١٤٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٩٠ ص ٥٣.